“من الأنثروبولوجيا العرقية إلى الأنثروبولوجيا الإيمانية : ‘بني إسرائيل’ في القرآن بين النسب والإسراء إلى الله“

نور الدين مالكي (باحث في علم الاجتماع)
تمهيد:
في إطار حرص منصة “مجتمع” على طرح الرؤى الفكرية التي تساهم في تجديد الفهم الديني وتعميقه، يقدم هذا المقال قراءة تحليلية لبودكاست حواري على اليوتيوب أجراه مقدم البرنامج باسم الجمل مع الدكتور يوسف أبو عواد ضمن برنامج “مفاهيم”. يركز الحوار على مفهوم “بني إسرائيل” في القرآن الكريم، محاولا تفكيك القراءات التقليدية التي حصرت المصطلح في إطار عرقي أو ديني ضيق، واستبدالها برؤية قرآنية تتسم بالعمق والاتساع، تعيد صياغة المفهوم باعتباره دلالة سلوكية وعقائدية جامعة.
مقدمة:
في خضم الصراعات السياسية والدينية المعاصرة، تبرز قضية فهم المصطلحات القرآنية فهما حقيقيا بعيدا عن التأويلات المسبقة والاستخدامات الإيديولوجية كمسألة مصيرية. ويأتي مصطلح “بني إسرائيل” كواحد من أكثر المصطلحات القرآنية إثارة للجدل، حيث طبعت صورته في الوعي الديني الشائع – عبر قرون من التفاسير التي تأثرت بالروايات الإسرائيلية والسياقات التاريخية – على أنه فئة عرقية أو دينية مغلقة، تعود أصولها إلى النبي يعقوب (إسرائيل)، وتمثل “اليهود” حصريا.
لكن برنامج “مفاهيم” مع الدكتور يوسف أبو عواد يقدم رؤية مغايرة جذريا، تستند إلى تحليل لساني وتدبري دقيق للنص القرآني. فبدلا من الربط التلقائي بين “بني إسرائيل” واليهود أو نسل يعقوب، تعيد هذه القراءة تعريف المصطلح بعيدا عن الانتماءات النسبية والعرقية، لتصيغه كصورة مفاهيمية سلوكية وعقدية، تعبر عن علاقة الإنسان بالله ومسيرته في الإيمان والهداية. يستند هذا الفهم إلى تحليل لغوي لمشتق كلمة “إسرائيل” من “الإسراء”، أي التوجه إليه بالعبودية، والعمل برسالاته، والسير على نهج الأنبياء. ويقوم على تفسير الآيات القرآنية – خصوصا الآية المحورية في سورة الإسراء “وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدى لِّبَني إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ” (الإسراء: 2–3). – التي تتعارض مع التفسير العرقي الضيق، لتربط بين “بني إسرائيل” و “ذرية من حملنا مع نوح”، كإطار شامل وجامع، حيث يوضح أن العبارة تعم جميع البشر الناجين من الطوفان، وبالتالي فإن “بني إسرائيل” هم ذريّة نوح التي قبلت الرسالات السماوية – وليس فئة عرقية محدودة.
يهدف هذا المقال إلى عرض هذه القراءة التجديدية وتطوير محاورها الرئيسية، والتي تشمل: تفكيك المفهوم العرقي التقليدي، واستنباط البعد الكوني والسلوكي للمصطلح، وتحليل المعيار القرآني الحقيقي للانتماء والهوية، وبيان التداعيات المعرفية والمعاصرة لهذا الفهم، خاصة في نقد الاستخدام السياسي للمصطلحات القرآنية والدعوة إلى وحدة إيمانية تعبر عن جوهر الرسالات السماوية.
المحور الأول: تفكيك المفهوم العرقي التقليدي
لطالما ارتبط مصطلح “بني إسرائيل” في التراث التفسيري السائد وفي الوعي الجمعي بـ”أبناء يعقوب” أو “الشعب اليهودي” ككيان عرقي وديني مغلق. غير أن التدبر في النص القرآني يكشف عن فجوات في هذا الربط الآلي.
- الدلالة اللغوية المؤسسة:
يؤسس الدكتور أبو عواد رؤيته على تحليل دقيق للفظ “إسرائيل” ذاته، مظهرا أنه ليس اسم علم لشخص (النبي يعقوب) فحسب، بل إلى مفهوم روحي وسلوكي: التوجه إلى الله، ونشر دعوة التوحيد والعدل. وأيضا، فهو وصف مشتق من الجذر اللغوي (س ر ي) الذي يحمل معنى السير ليلا أو الإسراء. “إسرائيل” تعني إذن “من أسرى إلى الله”، أي من اتجه بقلبه وجوارحه نحو الله في مسيرة عبودية وتوحيد. هذا التحويل من “الاسم العلم” إلى “الوصف السلوكي” يغير جذريا طبيعة الانتماء: من الانتماء بالولادة والنسب إلى الانتماء بالاختيار والفعل.
- شواهد نصية تدحض الحصر العرقي:
يقدم القرآن أدلة داخلية على أن المقصود ليس جماعة محددة بالنسب:
– في سورة البقرة (آية39): “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ”. الخطاب هنا بوصف “النعمة” و”العهد” وهو خطاب يمكن توجيهه لكل من تسلّم نعمة الرسالة وتحمل عهدها.
– قصة فرعون (سورة يونس، آية 90): “حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ”. اعتراف فرعون عند الغرق يربط الإيمان بـ”الذي آمنت به بنو إسرائيل”، أي بفكرة التوحيد التي يحملونها، لا بانتمائهم العرقي. فهو يعترف بمضمون إيمانهم، ولو كان المصطلح عرقيا بحتا لقال: “آمنت بإله بني إسرائيل”.
- فصل النص القرآني عن الروايات الإسرائيلية:
يبرز الدكتور أبو عواد ضرورة تحرير التفسير القرآني من “الإسرائيليات” – تلك القصص والتفاصيل التي دخلت التراث الإسلامي من الروايات اليهودية والمسيحية – والتي لعبت دورا كبيرا في تحويل المصطلح القرآني الكوني إلى مصطلح عرقي قومي. القرآن يعيد صياغة القصص بأسلوبه وغاياته التربوية، دون أن يلتزم بالتفاصيل التاريخية أو النسبية الواردة في الكتب السابقة.
ويقرر الباحث محمد أركون أن القرآن لا يتعامل مع القصص والأشخاص (بما فيهم الشخصيات التوراتية) كأحداث تاريخية جامدة أو سرد توثيقي، بل كرموز وعلامات تشكل جزءا من “النص الميثي” (النص الأسطوري الرمزي) الذي يهدف إلى إحداث تأثير نفسي وروحي على المتلقي، وليس مجرد نقل وقائع تاريخية. بمعنى أن القرآن يتعامل مع الشخصيات التوراتية كرموز نموذجية، لا كأعلام تاريخية جامدة، حيث تمثل هاته العبارة، تلخيصا دقيقا لرؤية أركون الذي يرى أن القرآن يستخدم الشخصيات والقصص كأدوات رمزية لتحقيق أغراض دينية ونفسية، وليس كسجل تاريخي محايد. ومن هنا، فإن “بني إسرائيل” هم من يسرون إلى الله، أي من يتجهون إليه بإخلاص، ويتبعون منهج الأنبياء في الدعوة إلى التوحيد والعدل. وبالتالي، يصبح المصطلح وصفا روحيا وسلوكيا، لا تصنيفا عرقيا ومفهوما لساني وليس اسما نسبيا.
المحور الثاني: البعد الكوني لمصطلح “بني إسرائيل”
ينتقل الدكتور أبو عواد من تفكيك المفهوم التقليدي إلى بناء المفهوم البديل، معتمدا على آية محورية في سورة الإسراء.
- مفتاح التفسير: “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ”
في الآيتين 2-3 من سورة الإسراء: “وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ”. هنا يقدم القرآن تعريفا وتوضيحا لمن هم “بني إسرائيل”: هم “ذريّة من حملنا مع نوح”. والناجون مع نوح في السفينة – حسب النص القرآني – هم المؤمنون به وذريتهم، وهم أصل البشرية بعد الطوفان. هذا يعني أن الخطاب موجه – نظريا – إلى كل البشرية المنحدرة من تلك الذرية الناجية. “بني إسرائيل” هم إذن الذرية البشرية التي تسلمت مسؤولية الهداية والتوحيد، أي الذين قبلوا عهد الله ورسالته.
- الإسراء كفعل اختياري لا كإرث نسبي:
يتمحور المفهوم الجديد حول فكرة “الإسراء إلى الله” كفعل ديناميكي اختياري. فهو يشمل:
– الإسراء المكاني-الرمزي: كالخروج من أرض الشرك إلى أرض الإيمان.
– الإسراء الروحي: كالسير في منازل التقرب إلى الله.
– الإسراء العملي: كتحويل القيم التوحيدية إلى عدل وسلوك في الأرض.
وبالتالي، “بني إسرائيل” هم كل من اختار هذه المسيرة، بغض النظر عن خلفيته النسبية: كنبي الله موسى وقومه المؤمنين، أو حواريي عيسى، أو الصحابة الذين أسروا مع محمد ﷺ إلى الله بالإيمان والهجرة والجهاد.
- استمرارية الخطاب عبر الرسالات:
تتيح القراءة التجديدية فهما موحدا لخطاب الأنبياء. فالدعوة التي وجهها موسى إلى “بني إسرائيل” هي نفسها دعوة عيسى ومحمد ﷺ. إنها دعوة واحدة موجهة إلى ذرية نوح، أي إلى البشرية، لتذكر نعمة الهداية والوفاء بعهد التوحيد. هذا يزيل التناقض الظاهري بين خصوصية خطاب بني إسرائيل وعمومية رسالة الإسلام.
- بين التفسير العرقي والتفسير التدبري
تظهر القراءة التقليدية لعبارة “بني إسرائيل” في القرآن الكريم تأثرا واضحا بالسرديات التوراتية والإسرائيليات، التي جعلت من المصطلح مرادفا لليهود أو نسل يعقوب.
وقد لاحظ عدد من الباحثين المعاصرين، أن كثيرا من التفاسير الكلاسيكية استندت إلى روايات إسرائيلية (منقولات من التراث اليهودي والمسيحي) دست في التراث الإسلامي دون تمحيص نقدي. مما أدى إلى تشويش الفهم الصحيح للقرآن. وقد تبنى هذه الفكرة عدد من المفسرين المجددين مثل محمد عبده ورشيد رضا، ودعوا إلى تنقية التفسير من هذه الشوائب. ويذكر أن بعض المفسرين المعاصرين (كمحمود شلتوت) ينتقدون التفسير القديم لاشتماله على “روايات غريبة وإسرائيليات موضوعة”.
غير أن الدكتور أبو عواد يلفت الانتباه إلى أن القرآن لا يعرف الهويات من خلال النسب، بل من خلال الاستجابة للرسالة الإلهية. فالآية المحورية في سورة الإسراء: (2–3)، تربط “بني إسرائيل” بـ”ذريّة من حملنا مع نوح”، أي كل البشر الناجين من الطوفان، ما يوسع الدلالة ليشمل جميع من تلقوا الرسالات السماوية، بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الجغرافي. ويشير هذا الربط إلى أن المقصود ليس مجموعة بشرية محددة، بل جيلا إيمانيا عالميا.
المحور الثالث: المعيار القرآني للانتماء والهوية
يقدم القرآن معايير واضحة للانتماء الحقيقي، معايير تفكك كل أشكال الوصاية النسبية أو العرقية.
- التفاضل بالتقوى لا بالنسب:
يضع القرآن حجر الأساس في سورة الحجرات (آية 13): “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”. هذه الآية تقطع الطريق على أي ادعاء للتفوق أو الحصرية القائمة على النسب أو العرق. الكرم والانتماء الحقيقي عند الله مرتبط بصفة مكتسبة (التقوى)، وليست موروثة. بمعنى أخر، القرآن يرفض الهويات الموروثة بتأكيده مرارا أن الهوية الإيمانية لا تورث، بل تكتسب بالاختيار الواعي والعمل الصالح.
- فرعون: النموذج الأبرز للانفصال بين النسب والوصف:
يقدم الدكتور أبو عواد فرعون كحالة دراسية مثالية. فرعون – حسب النص القرآني – هو من ذرية نوح (أي من “الذرية” التي يشملها خطاب بني إسرائيل نظريا)، لكنه لما رفض فكرة “الإسراء إلى الله” وادعى الألوهية، خرج عن وصف “بني إسرائيل” تماما. انتماؤه النسبي لم ينفعه، ولم يجعله من “بني إسرائيل” بالمعنى القرآني. هذا يؤكد أن المصطلح وصفي شرطي، وليس نسبي جبري.
- معيار الإيمان والعمل الصالح:
تتكرر في القرآن صيغة جامعة مانعة، كما في سورة البقرة (آية 16): “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”. هذه الآية وغيرها تؤسس لمعيار كوني: الإيمان بالله واليوم الآخر زائد العمل الصالح. هذا هو جواز العبور إلى رضوان الله، وهو ما يلغي كل الحواجز العرقية والمذهبية المصطنعة.
وبالنهاية، حتى لو ادعى شخص النسب إلى يعقوب أو إبراهيم، فإن ذلك لا يمنحه مكانة عند الله ما لم يحقق المعيار القرآني: الإيمان والعمل الصالح. وهذا ما يفسر لماذا لا يصنف فرعون – رغم انتمائه النسبي إلى ذرية نوح – ضمن “بني إسرائيل”، بل يعتبر نموذجا مضادا لهذا المفهوم بسبب طغيانه وابتعاده عن عبودية الله. ويؤكد نصر حامد أبو زيد عن الفصل بين العروبة والإسلام، ويناقش فكرة أن الإسلام هو دين عربي ثقافيا، وأن التصنيف بين الشعوب يجب أن يكون على أساس الثقافة واللغة، وليس على أساس العرق أو العقيدة. يقول: “إن معيار التصنيف بين الأمم والشعوب يجب أن يكون «الثقافة» وأهم أدواتها «اللغة»”. “ومن المؤكد أنه مشروع ضد طائفية القبيلة، وضد عصبية العرق والدم، ولو كان عربيا. إنه مشروع عربي ثقافي إنساني حضاري، ويقدر إدراك هذه الحقيقة كان المشروع يتقدم، …“. هذه العبارة تعبر عن فكرة أن المشروع الإسلامي (القرآن) يعارض التمييز القبلي والعرقي، وهي تتوافق بأن القرآن يلغِي التمايز العرقي أو النسبي، ويجعل المعيار الوحيد هو التقوى والعمل الصالح.
المحور الرابع: تداعيات الفهم التجديدي
لا تقتصر هذه القراءة على البعد المعرفي فحسب، بل تحمل تداعيات عميقة على المستويات الفكرية والسياسية والاجتماعية المعاصرة.
- تفكيك الشرعية الدينية للمشروع الصهيوني:
أحد أخطر الاستخدامات المعاصرة لمصطلح “إسرائيل” هو تبنّي الحركة الصهيونية له لخلق انتماء تاريخي-ديني بين يهود العالم وأرض فلسطين. القراءة التجديدية تظهر أن “إسرائيل” القرآنية ليست هوية عرقية تورث، وبالتالي فلا أساس ديني لمطالبة جماعة بعينها – بحجة النسب – بأرض أو بحق استثنائي. “إسرائيل” القرآنية هي مسيرة روحية وسلوكية مفتوحة لكل البشر، وليست براءة اختراع لجماعة محددة.
- إعادة تعريف الذات والآخر في الفكر الإسلامي:
هذا الفهم يستدعي مراجعة عميقة لكيفية تعريف المسلمين لذواتهم ولـ “الآخر”. فبدلا من التصنيفات الجامدة (مسلم/يهودي/نصراني)، يقدم القرآن معيارا ديناميكيا (مقيم على الإسراء إلى الله/مُعْرِض). قد يكون “اليهودي” أو “النصراني” – حسب النسب – من “بني إسرائيل” بالمعنى القرآني إذا آمن بالله وعمل صالحا، وقد يكون “المسلم” – بالهوية الوراثية – خارج هذا الوصف إذا ترك العمل الصالح والإيمان الحق.
- تأسيس لحوار أديان حقيقي:
عندما تتحول المفاهيم من هويات مغلقة إلى أوصاف مفتوحة قابلة للاكتساب، ينفتح مجال للحوار بين الأتباع على أساس القيم المشتركة: العدل، الإحسان، التوحيد، مقاومة الظلم. يصبح السؤال المركزي: “إلى أي درجة أنت مسر إلى الله في سلوكك وأخلاقك؟” بدلا من “إلى أي مجموعة تنتمي بالولادة؟”.
- تحرير النص القرآني من الأغلال التأويلية:
تدعو هذه الرؤية إلى منهجية تفسيرية جديدة، تتعامل مع القرآن كنص قائم بذاته، يفهم من خلال مفاهيمه الداخلية وروابطه السياقية، مع ضرورة التحرر من الأطر المذهبية والتاريخية المسبقة التي قد تحجب الدلالة الأصلية. إنه دعوة للعودة إلى “التدبر” الذي أمر الله به: “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ” (ص: 29).
- الانتماء القرآني: وحدة بشرية على أساس الإيمان
الرؤية التي يقدمها الدكتور أبو عواد تتماهى مع روح القرآن الشاملة، التي لا تقيم وزنا للفوارق العرقية أو الطائفية. فالآية: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ” (البقرة: 16)
تؤكد أن الانتماء الحقيقي لا يحدد بملة أو اسم، بل بفعل واعتقاد. ومن هنا، يكون “بني إسرائيل” في منظور القرآن هم جميع من ساروا على نهج التوحيد، سواء كانوا من أتباع موسى أو عيسى أو محمد – عليهم السلام. ويشير الباحث طه جابر العلواني أن تحرر القرآن من الخصوصية البيئية والقبلية الأولى (بيئة النزول) هو أساس الرؤية الكونية العالمية. توصف رؤية العلواني للوحدة البشرية المستمدة من القرآن كحل لمشاكل التشرذم القبلي والعرقي والانحدار الأخلاقي، مما يقترب جدا من فكرة “الانتماء الإنساني القائم على العدل والرحمة”. وهذا كله إشارة إلى أن القرآن يقدم رؤية كونية تتجاوز الانتماءات القبلية والعرقية إلى انتماء إنساني قائم على العدل والرحمة.
- تحذير من توظيف المصطلحات القرآنية لأغراض خارجية
ومن أخطر ما يشير إليه الحوارهو الخلط المتعمد بين “إسرائيل” القرآني و“إسرائيل” السياسية المعاصرة. فما يسمى اليوم بـ “دولة إسرائيل” لا يمثل – من منظور قرآني – لا “بني إسرائيل” ولا حتى مفهوم “إسرائيل” كوجهة روحية. بل إن استخدام المصطلح القرآني لتبرير الاحتلال أو التمييز العرقي، هو تشويه للنص الديني واستغلال لأغراض أيديولوجية تتناقض كليا مع مقاصد القرآن.
ويحذر الباحث لوقا أوزانو من فكرة تفسير أو اختطاف النصوص الدينية لخدمة أجندات سياسية أو قومية، سواء عبر “اللاهوت السياسي” أو من خلال مواقف الأحزاب الدينية المتطرفة لتحقيق أهداف سياسية. مؤكدا على توافق الدين مع الديمقراطية عبر مبدأ “التسامح المزدوج”، محذرا في الوقت ذاته من تسييس الدين لخدمة أجندات سلطوية أو علمنة قسرية تتعارض مع العدالة. بمعنى؛ أن الدين لا يمنح شرعية لأي كيان سياسي ينتهك العدالة أو يمارس الظلم.
خاتمة:
تمثل قراءة الدكتور يوسف أبو عواد لمصطلح “بني إسرائيل” نموذجا للاجتهاد التجديدي الذي ينقب في النص القرآني لاستخراج دلالاته الكونية والخالدة، مجسدا الرؤية الكلية التي تؤكد أن القرآن الكريم كتاب شامل يخاطب الإنسان في كينونته الإيمانية ومسؤوليته أمام ربه، لا في انتماءاته العرقية أو القبلية الضيقة.
وتختتم هذه القراءة بدعوة جوهرية: العودة إلى القرآن بمعزل عن الروايات الإسرائيلية والتأويلات الموروثة، حيث يشدد الدكتور أبو عواد على أن الفهم الصحيح يجب أن يستند إلى البنية اللغوية الداخلية للنص وسياقه البلاغي، لا إلى ما ألصقه به التراث من مفاهيم خارجية. وفي هذا الإطار، تنتقل القراءة بالمصطلح من دائرة التاريخ والعرق إلى دائرة الأخلاق والسلوك، فتصوغ “بني إسرائيل” رمزا للإنسان المؤمن السائر في طريق الله، لا لفئة مغلقة تدعي وراثة النبوة أو احتكار الحقيقة.
هذه الرؤية ليست مجرد تفسير لفظي مختلف، بل هي منهج تدبري يجدد فهم النص القرآني، ويقدم سلاحا فكريا ودينيا قويا لمواجهة النزعات العنصرية والاستعمارية التي تتستر برداء ديني. إنها تؤكد أن القرآن كتاب للبشرية جمعاء، ودعوة إلى وحدة إيمانية تعبر عن جوهر الرسالات السماوية.
وفي النهاية، تدعونا هذه القراءة إلى إعادة اكتشاف القرآن كنص حيوي يحمل إجابات للتحديات المعاصرة، إذا ما اقتربنا منه بعقل متجدد وقلب متدبر. فـ“بني إسرائيل” الحقيقيون – وفق هذه الرؤية العالمية – هم كل من يختار أن يكون من “المُسْرِينَ إلى الله” في فكره وقلبه ومسيرته في الحياة.
المراجع
- مقدم البرنامج باسم الجمل المدير التنفيذي لـ مجتمع حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والإعلام من جامعة إكستير ببريطانيا. قدم العديد من البرامج والوثائقيات مثل (إسرائيل المتخيلة- مهمة خاصة- حكاية – سيرة) – شخصية فكرية بارزة على منصة مجتمع، يقدم محتوى هادفا حول القضايا المعاصرة في العالم العربي، ويعد مرجعا مهما للمهتمين بالفكر والثقافة.
- الدكتور يوسف أبو عواد (باحث ومختص في الدراسات اللسانية العربية وعلوم القرآن، ويقدم محتوى فكرياً ودينياً عبر منصة مجتمع. يظهر بشكل متكرر في بودكاست “مفاهيم” الذي يقدمه الدكتور باسم الجمل على نفس المنصة، المشرف بقسم اللغة العربية في وزارة التربية والتعليم في الأردن)
- القرآن الكريم
- طارق محمد حجي، القراءات الحداثية للقرآن (8): محمد أركون والرهان الإبستمولوجي للقراءة، مركز تفسير للدراسات القرآنية 1-25.
- بريك بن سعيد القرني، دعاوى تجديد التفسير في العصر الحديث: المصطلح والمفهوم والمنطلقات تحليل ونقد، مجلة العلوم الشرعية، العدد الأربعون، رجب 1437هـ، ص439/522،
- نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، مؤسسة هنداوي، 2023.
- نصر حامد أبو زيد، النص والسلطة والحقيقة: الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة(الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1995.
- الحسيني، حنان فيض الله، الفقه الحضاري عند طه جابر العلواني. مجلة الفكر الإسلامي المعاصر (إسلامية المعرفة سابقا)، مجلد 31، العدد (109)، ص 201-225.
- أوزانو، لوقا. الدين والديمقراطية والأحزاب السياسية. ترجمة السيد عمر. ترجمات في الفكر السياسي المعاصر، تحرير مركز نهوض للدراسات والبحوث، بدون سنة.
