التصوف في مرآة علم الاجتماع: حوار مع الدكتور عبد الصمد الديالمي حول المفهوم، الفلسفة، السلطة والمرأة

متابعة وقراءة: نور الدين مالكي/ باحث في علم الاجتماع
مقدمة:
يظل التصوف على الرغم من انتشاره الكوني الواسع، وحضوره الطاغي في الوجدان الإسلامي، وتأثيره العميق في واقع المسلمين على امتداد العالم، (منطقة ملتبسة تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من الإجابات الجاهزة). حقلا معرفيا ودينيا يكتنفه الغموض لدى الكثيرين. فبينما هو حاضر بقوة في المشهد الروحي والاجتماعي، تبقى مفاهيمه الأساسية ومصطلحاته وطقوسه موضع تساؤل وتأمل، بل وهدفا لحملات نقدية متتالية من تيارات فكرية ودينية مختلفة. في هذه المقالة، نقدم حوارا معمقا مع العالم السوسيولوجي المغربي الدكتور عبد الصمد الديالمي، حيث نحاول تفكيك هذا العالم المعقد، واستكشاف أسسه الفلسفية والدينية، ودوائر اشتغاله، وعلاقاته المتشابكة مع السياسة والمجتمع والمرأة. سنغوص في أعماق “الإسلام الآخر”؛ ذلك الإسلام الذي لا يكتفي بظاهر النص، بل يغور في باطنه بحثا عن الحقيقة المطلقة.
يقدم الحوار رحلة فكرية شاملة تسعى إلى فهم التصوف من جذوره إلى تجلياته المعاصرة. هذا الحوار هو حلقة خاصة من بودكاست “جدليات”، الذي تنتجه مؤسسة تكوين الفكر العربي، ويقدمها الإعلامي إبراهيم عيسى، تحت عنوان: “الزوايا الصوفية في المغرب: الحقيقة وراء انتشارها”. يستضيف فيها الدكتور عبد الصمد الديالمي، عالم الاجتماع المغربي، في نقاش موسع صدر تحت عنوان رئيسي: “لماذا يمتلئ المغرب بالزوايا؟ وهل التصوف مجرد طقوس روحية أم أنه هندسة اجتماعية حافظت على توازن الدولة والمجتمع لقرون؟”، ليكشف عن تحول الزوايا من مراكز للزهد إلى بؤر للنفوذ الاجتماعي و”بركة النساء”. تم بث الحلقة في 18 فبراير 2026 ضمن الموسم الرابع من البودكاست.
المحور الأول: في ماهية التصوف.. هل هو دين أم فلسفة؟
يبدأ الدكتور الديالمي بوضع تعريف تأسيسي للتصوف، مؤكدا على خصوصيته قائلا: “التصوف إسلام أولا، لكنه إسلام آخر، إسلام مختلف.” هذا الاختلاف الجوهري ينبع من كونه قراءة تأويلية باطنية للنصوص المقدسة (القرآن والسنة)، تميزه عن القراءات الحرفية أو الظاهرية الأخرى. إنه ليس مجرد دين بالمعنى التقليدي، بل هو “تدين”، أي ممارسة وجودية تتسم بالسعي لتحقيق ظواهر خارقة كـ”الكشف” و”الكرامة”. كما أنه فلسفة وجودية تتصدى للأسئلة الكبرى حول الإنسان والكون والمعرفة والمطلق.
ولتوضيح هذا المفهوم، يميز الدكتور الديالمي بين:
- التعريف الديني: يرى التصوف كسلوك روحي يهدف إلى تزكية النفس وتطهير القلب للاتصال بالله. يستشهد بأقوال كبار الصوفية مثل، الجنيد البغدادي الذي عرفه بأنه “أخذ كل خلق كريم وترك كل خلق دنيء”. ويضيف أبو نصر السراج تعريفا جوهريا بأنه “تجربة ذوقية لا تدرك بالبرهان وإنما بالمعايشة”. فالتصوف هنا ليس علما نظريا، بل هو ممارسة وذوق واختبار شخصي للحقيقة.
- التعريف الفلسفي: يقدم التصوف رؤية شاملة للوجود تتجاوز حدود المادة والعقل. فحقيقته تكمن في إدراك ما فوق الحسي وما فوق العقلي. يمكن تفكيك هذه الرؤية الفلسفية إلى:
– نظرية أنطولوجية (في الوجود): تطورت على يد محيي الدين بن عربي في “نظرية وحدة الوجود”، التي ترى أن الكثرة الظاهرة في العالم ما هي إلا تجليات متعددة لوحدة إلهية أصيلة مطلقة. فالوجود كله مرآة تعكس الحقائق الإلهية.
– نظرية إبستمولوجية (في المعرفة): المعرفة الصوفية ليست برهانية (عقلية) ولا حسية، بل هي معرفة “ذوقية” و”عرفانية” و”لدنية” (المعرفة اللدنية مصطلح صوفي يعني العلم الإلهي الذي يُقذف في قلب العارف من غير اكتساب ولا نظر ولا استدلال. هو معرفة حدسية ذوقية مباشرة، تختلف عن المعرفة العقلية (البرهانية) والحسية.) تمنح للمتصوف عن طريق الكشف والإلهام.
– نظرية أخلاقية (في السلوك): تهدف إلى تحرير الإنسان من أهوائه وأنانيته، وتوجيهه نحو المحبة والتواضع والزهد، وصولا إلى تحقيق “الإنسان الكامل” الذي يعكس في ذاته صفات المطلق.
بعبارة أخرى، يطرح الدكتور الديالمي تعريفا مثلث الأبعاد للتصوف، يخرجه من إطار “الدروشة” الضيق إلى آفاق فكرية رحبة:
- التصوف كإسلام باطني: هو قراءة اختلافية للنصوص المقدسة (القرآن والسنة)، تعتمد “التأويل الباطني” كأداة للوصول إلى جوهر العقيدة، مما يجعله متميزا عن القراءات الفقهية الظاهرية.
- التصوف كتدين وممارسة: هو تجربة ذوقية تهدف لتجاوز الطبيعي نحو الخارق (الكشف والكرامة)، حيث يختبر الصوفي إيمانه عبر “المعايشة” لا البرهان.
- التصوف كفلسفة وجودية: يمثل التصوف محاولة للإجابة على الأسئلة الكبرى حول الكون، المطلق، والعدمية، متجاوزا حدود العقل والحواس.
هذا التماهي بين الديني والفلسفي يقودنا للتساؤل: هل التصوف فلسفة أم دين؟ يجيب الدكتور عبد الصمد بأنه “فلسفة إسلامية”، فهو جزء من التجربة الدينية الإسلامية، ولكنه في الوقت ذاته يتسع ليصبح تصورا كليا للوجود، معالجا قضايا وجودية كبرى كالخلود والغاية من الحياة والعلاقة بين الزمني والأبدي. ورغم أن المتصوفة أنفسهم غالبا ما يرفضون توصيفهم بالفلاسفة، إلا أن رؤيتهم الشاملة تؤهلهم لهذا التصنيف.
المحور الثاني: العقل في ميزان التصوف: بين الاحتقار والتوظيف
تعد علاقة التصوف بالعقل من أكثر القضايا إشكالا. هنا يميز الديالمي بين “العلم” (نتاج العقل والبرهان) و”المعرفة” (نتاج الكشف والعرفان). فالمعرفة اللدنية لدى الصوفية ليست بحثا عقليا، بل هي هبة إلهية. هذا لا يعني بالضرورة إنكارا مطلقا للعقل لدى جميع الصوفية، بل هناك تدرج في النظر إليه:
– الاتجاه الأول (إزاحة العقل): يتجلى بوضوح عند الحلاج الذي يرمز إلى ما بعد العقل، وخاصة العقل الفقهي. مقولته الشهيرة “أنا الحق” تفهم في هذا السياق كتعبير عن حالة فناء في الذات الإلهية تجاوزت كل الحدود العقلية. وقد كلفته هذه التجاوزات حياته، حيث اتهم بالحلول والاتحاد وأعدم. إنه موقف القطيعة (الحلاجي)، الذي كان فناءه في ذات الله سببا في اتهامه بالزندقة وقتله سياسيا وفقهيا.
– الاتجاه الثاني (توظيف العقل): يمثله أبو حامد الغزالي الذي حاول التوفيق بين العقل والتصوف. يرى الغزالي أن العقل أداة مفيدة لإزالة الشبهات وإقامة البراهين، لكنه لا يمنح اليقين الوجودي الذي لا يتحقق إلا بالذوق الصوفي المباشر. في كتابه “مشكاة الأنوار”، يدافع عن الحلاج، موضحا أن مقولته “أنا الحق” جاءت في حالة سكر روحي زالت مع عودة سلطان العقل، ليدرك صاحبها أن ما جرى كان شبه اتحاد لا حقيقته. إنه موقف التوفيق (الغزالي)، الذي رأى أن العقل “خادم” للتجربة الروحية؛ يزيل الشبهات لكنه لا يمنح اليقين الوجودي الذي لا ينال إلا ذوقا.
– الاتجاه الثالث (أولوية العقل): يمثله الفيلسوف ابن رشد، الممثل الرئيسي للتيار العقلاني. يرى ابن رشد أن المعرفة الحقة يجب أن تكون برهانية، أي قائمة على أدلة عقلية تفرض نفسها على الجميع، وليست مجرد أذواق فردية لا يمكن البرهنة عليها. في كتابه “تهافت التهافت”، يرد على الغزالي، معطيا الأولوية المطلقة للعقل. إنه موقف السيادة للعقل (الرشدوي)، الذي انتقد الشطحات الصوفية، معتبرا المعرفة البرهانية هي المقياس الجماعي المشترك، بينما الذوق تجربة فردية لا يمكن تعميمها.
– الاتجاه الرابع (تجاوز العقل): يذهب ابن عربي إلى أن “العقل قيد والذوق إطلاق”. فالعقل يسجن في المنطق والبرهان، بينما الذوق هو الشهود المباشر للحقيقة. لكنه، على غرار الغزالي، لا يلغي العقل بل يراه ضروريا لتهيئة النفس، ثم يأتي الكشف ليكمل الطريق ويتجاوزها.
المحور الثالث: من التجربة الفردية إلى المؤسسة: التصوف، الطرق، والزوايا
ينتقل الحوار من التنظير الفردي إلى الواقع الاجتماعي، موضحا الفروقات الجوهرية بين ثلاث مستويات:
- التصوف (التجربة الفردية): ظهر منذ القرن الثاني الهجري كتجربة فردية (مثل الجنيد البغدادي)، تركز على الزهد والعبادة والارتباط بالقرآن والسنة، دون انتظام في إطار جماعي.
- الطرق الصوفية (التنظيم الجماعي): ظهرت بعد القرن الثالث الهجري، حيث انتظمت تعاليم شيخ معين في أطر جماعية. وتتميز بعناصر تنظيمية مثل البيعة للشيخ، والأوراد والأذكار الخاصة، وسلاسل المشايخ (السند).
- الزوايا (المؤسسات المادية): هي مؤسسات مادية (مراكز) تنشئها الطرق لتجسيد ممارساتها ونشر تعاليمها، وتقوم بوظائف اجتماعية كالتعليم وإيواء الغرباء والفقراء.
هنا تبرز إشكالية الوساطة: هل يمكن الوصول إلى الله بلا واسطة؟ وما دور الشيخ والولي؟ يوضح الديالمي أن التصوف النظري يهدف للمعرفة المباشرة بالله، لكنه عمليا يؤكد على ضرورة الوساطة، خاصة للمريد المبتدئ. فالشيخ هو “دليل” و”مرشد روحي” في بداية الطريق، كما قال أبو يزيد البسطامي: “من لا شيخ له فالشيطان شيخه”. هذه وساطة تربوية وسلوكية.
أما الولي، فهو العبد الذي تولاه الله بفضله، فيعتقد أنه مصدر بركة. ومن هنا نشأت ممارسات زيارة الأضرحة والتبرك بالأولياء، والتي يراها الصوفية طلبا لفيض الرحمة الإلهية عبر أحباب الله. بالمقابل، يهاجم النقاد (مثل ابن تيمية) هذه الممارسات معتبرين إياها شركا خفيا، ووساطة في التوحيد لا تجوز. يدافع الصوفية عن أنفسهم بأن الوساطة ليست عبادة للوسيط، بل هي تربية وتوجيه نحو التوحيد الخالص.
وبشكل عام، ينتقل بنا الحوار من “التصوف الفردي” الذي نشأ في القرن الثاني الهجري، إلى “التصوف المؤسسي” الذي تبلور في “الطرق” و”الزوايا”. وهنا يبرز مفهوم الوساطة الروحية:
- الشيخ كدليل: ” الوساطة هنا تربوية تهدف لنقل “البركة” وتوجيه المريد في مراحل سلوكه الأولى.
- الزاوية كمؤسسة اجتماعية: تحولت الزوايا تاريخيا إلى مراكز إيواء وتعليم، لكنها لم تخل من نقد سوسيولوجي، حيث يراها البعض أحيانا “مقاولات تجارية” أو فضاءات لممارسات شعبوية قد تبتعد عن جوهر التوحيد.
المحور الرابع: التصوف والسلطة/السياسة: شرعنة الحكم أم وقود الثورة/المقاومة؟
تتعدد مواقف الصوفية من السلطة السياسية بتنوع السياقات التاريخية:
– موقف نقدي سلمي: يمثل الزهد موقفا ضمنيا مضادا للسلطة، حيث ينظر إليها كمفسدة للقلب. يكتفي الصوفي بتذكير الحاكم بمسؤوليته الأخلاقية، كما قال عبد القادر الجيلاني: “كونوا لله كما يريد، يكن لكم كما تريدون”. هذا موقف إصلاحي من الداخل لا يسعى للصراع. وقد يتحول هذا النقد إلى موقف ثوري كما حدث مع الحلاج، الذي دفع حياته ثمنا لنقده الفكري والاجتماعي ودعوته لحكومة مثالية.
– موقف تبريري: تستخدم بعض السلطات الصوفية (المشايخ والزوايا) لكسب الشرعية الدينية، مقابل منحها الحماية والدعم. انتشر هذا في الدول الإسلامية كالدولة العثمانية التي رعت الطرق الصوفية الكبرى. ويقدم الدكتور الديالمي مثالا طريفا من المغرب عن عبد الحق (مؤسس الدولة المرينية) الذي تحول إلى “ولي” ونُسبت البركة إلى سرواله، الذي كانت النساء يتبركن به لتسهيل الولادة، مما منح حكمه شرعية دينية شعبية بعد أن استولى على السلطة بالحديد والنار.
– موقف مقاوم: لعبت الصوفية أدوارا وطنية كبرى في مقاومة الاستعمار. ففي الجزائر، قاد الأمير عبد القادر المقاومة مستندا إلى الطريقة القادرية. وفي ليبيا، قاد عمر المختار الجهاد عبر الطريقة السنوسية. وفي المغرب، كان للزوايا (كالناصرية والتجانية) دور كبير في تنظيم المقاومة ضد الفرنسيين والإسبان. هذا الدور الجهادي يجعل من الصوفية قوة اجتماعية وسياسية فعالة في أوقات الأزمات.
بمعن آخر، لم يكن التصوف يوما بمعزل عن السلطة. يوضح السوسيولوجي المغربي في حواره أن العلاقة اتخذت مسارين:
- الظهير الروحي للسلطة: استخدام الأنظمة للتصوف كأداة لضبط الحقل الديني وتحقيق الاستقرار في مواجهة الراديكالية السلفية.
- التصوف المقاوم: كما في حالة الجزائر وليبيا، حيث تحولت “الطريقة” إلى تنظيم عسكري وسياسي لمواجهة الاستعمار.
المحور الخامس: المرأة في التصوف: مساواة روحية في مقابل هيمنة مؤسسية
يعد التصوف فضاء مغايرا لعلاقة المرأة بالدين، مقارنة بالمجالات الفقهية والسياسية التقليدية التي غالبا ما تُقصيها. يكمن جوهر هذا الاختلاف في أن التصوف يُحلل الروح بوصفها لا جنس لها. فالقرب من الله لا يتحدد بالذكورة أو الأنوثة، بل بصفاء القلب. يقول ابن عربي إن “الإنسان الكامل” هو جامع لكل حقائق الوجود، والأنثى والذكر فيه سواء. بل إنه يرى في الأنوثة رمزا للتجلي الإلهي، لأن المرأة مظهر للجمال الإلهي.
يقدم الدكتور الديالمي تحليلا عميقا للفيلسوف الصوفي ابن سبعين، الذي ميز بين أربعة مستويات للجسد:
- الجسد الحسي الشهواني والجسد الديني (الفقهي): فيهما يظهر الاختلاف والتفاوت الجندري (كالحيض، والحجاب، وتعدد الزوجات).
- الجسد المروض: حيث يسعى كل من الرجل والمرأة لترويض النفس الأمّارة بالسوء، وهنا تتحقق المساواة.
- الجسد الفاني: وهو الهدف الأسمى، حيث يفنى الجسد في الذات الإلهية، وتتحقق المساواة الكاملة.
تجربة رابعة العدوية خير مثال على هذه المساواة الروحية، حيث عبرت عن حبها لله دون وساطة أحد، متحررة من الخوف والطمع، ومحققة تجربة صوفية خالصة.
والخلاصة، أن تناول جندرية الروح، بين المرأة والتصوف؛ هو في واحدة من أجمل زوايا الحوار، يتحدث السوسيولوجي الديالمي عن “المساواة الروحية”. فبينما يحصر الفقه المرأة في أطر “نقصان العقل والدين”، يفتح التصوف الباب لـ “إنسان كامل“ لا جنس لروحه. فالمرأة في التصوف (كرابعة العدوية) ليست مجرد مريدة، بل هي رمز للتجلي الإلهي والجمال. ويتجلى النقد السوسيولوجي في أنه؛ رغم “جندرة الروح” وتساويها، إلا أن المؤسسة الصوفية (الزوايا) تظل محكومة بنظام “بطريركي” (أبوي) يحول دون وصول المرأة لمرتبة المشيخة الفعلية في الواقع العملي.
إن إشكالية الحاضر: على الرغم من هذه المساواة الروحية النظرية، يقر الدكتور الديالمي بأن الواقع المؤسسي للطرق والزوايا يظل أبويا (بطريركيا). فالمرأة حاضرة كجمهور ومريدة في الصفوف الخلفية، لكنها نادرا ما تصل إلى مناصب القيادة أو المشيخة أو تمثيل الطريقة. هذا الواقع يحفظ للمرأة دونيتها الاجتماعية، ويجعل من “النسوية الصوفية” (كما في بحثه عن خرافة عائشة) نسوية “مخدرة”، توهم المرأة بسلطة روحية لا تغير من واقعها المادي الدوني شيئا، مما قد يثبط نضالها للمطالبة بالمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات.
خاتمة:
يختتم الحوار بالتأكيد على تعقيد الظاهرة الصوفية وتعدد طبقاتها؛ فهي ليست مجرد طقوس وشعائر، بل هي عالم فكري متكامل يصارع الأسئلة الوجودية الكبرى. تتجلى عظمة التصوف في انفتاحه على الحب والمساواة الروحية وتجاوز الجمود الحرفي، بينما تتمثل إشكالياته في علاقته الملتبسة بالعقل، وهياكله المؤسسية الأبوية، وقابليته للتوظيف السياسي. يبقى التصوف بكل تناقضاته، نبعا ثريا للتأمل في جوهر التدين والإنسانية.
إن التصوف بهذا يبقى في جوهره، هو استجابة للقلق الوجودي الإنساني. هو محاولة لإيجاد “المعنى” في عالم مادي، والبحث عن “الجمال” كعلامة على ما وراء المادة. سواء اتفقنا مع شطحاته أو تمسكنا ببرهان العقل، يظل التصوف الرئة التي يتنفس منها الإسلام الجمالي والروحاني.
https://youtu.be/9NGVzK5sQNQ?si=uB5gn5mqwFXdsSFy 18 févr. 2026
- عبد الصمد الديالمي: هو عالم الاجتماع مغربي. باحث متخصص في قضايا التصوف والمجتمع، له دراسات معمقة في هذا المجال مثل دراسته عن “الخرافة” التي نشرها تحت عنوان “النسوية الصوفية” (بالفرنسية)، ودراسته عن “سروال عبد الحق” كآية على توظيف السياسة للتصوف. ومن أبرز المتخصصين في المسألة الجنسية في العالم العربي، كان خبير في الصحة الجنسية والإنجابية من 1997 لدى منظمات دولية ووطنية. نشر العديد من الأبحاث والمؤلفات بالعربية والفرنسية والإنجليزية، منها: ” المرأة والجنس في المغرب” (1985، بالعربية)، و”الشباب، السيدا والإسلام” (2000، بالفرنسية)، و”سوسيولوجيا الجنسانية العربية”(2008، بالعربية، وبالفرنسية سنة 2014)، و”الجنسانية، الصحة الجنسية والإنجابية في المغرب” (بالإنجليزية، 2014)، و”الانتقال الجنسي في المغرب: نحو الحق في الجنس، في النسب وفي الإجهاض” (2015، بالعربية)، و”صناعة الإسلاموية المغربية” (2016، بالفرنسية)، و”الانتقال الجنسي: بين الجندر والإسلاموية” (2017، بالفرنسية)، و”المدينة، الجنس والإسلاموية” (2018، بالفرنسية).
كتب ونظريات (مراجع الاقتباس في الحوار)
- “الفتوحات المكية”: المؤلف: محيي الدين بن عربي. موسوعة ضخمة تعتبر خلاصة فكره الفلسفي والصوفي. تحتوي على نظرياته الأساسية: وحدة الوجود، الإنسان الكامل، الفيض، التجليات الإلهية، وعلاقة العقل بالذوق. مصدر أساسي للدراسة الأكاديمية للتصوف النظري.
- “اللمع في التصوف”: المؤلف: أبو نصر السرَّاج. من أقدم وأوثق المدونات الصوفية. يشرح أصول التصوف ومقاماته وأحواله ومصطلحاته بطريقة منهجية. مرجع مهم لفهم التصوف في مراحله التكوينية.
- “مشكاة الأنوار”: المؤلف: أبو حامد الغزالي. كتاب فلسفي صوفي يتناول فيه الغزالي مفهوم النور الإلهي وعلاقته بالعقل والوحي والكشف. يحتوي على دفاعه الشهير عن الحلاج، وفيه يشرح مراتب العارفين وعلاقة “السكر” بالعقل.
- “تهافت الفلاسفة”: المؤلف: أبو حامد الغزالي. كتاب هاجم فيه الغزالي الفلاسفة (خاصة ابن سينا والفارابي) ودحض آراءهم في عشرين مسألة، معلنا تهافت الفلسفة أمام الدين والذوق الصوفي. كان سببا رئيسيا في الجدل حول العقل والنقل.
- “تهافت التهافت”: المؤلف: ابن رشد. رد مباشر على كتاب الغزالي “تهافت الفلاسفة”. دافع فيه ابن رشد عن الفلسفة والعقل، وأعاد تأكيد قوة البرهان العقلي وأهميته في الوصول إلى المعرفة، ناقضا حجج الغزالي واحدة تلو الأخرى.
- النسوية الصوفية: الخرافة والدلالة: دراسة قام بها الدكتور عبد الصمد الديالمي (بالفرنسية) حول خرافة شعبية مغربية (خرافة عائشة والأمير)، حلل فيها رمزية المرأة كـ”شيخة مربية” للرجل، وأظهر كيف تقدم النسوية الصوفية مساواة روحية لكنها في النهاية “مخدرة” لا تغير الواقع المادي الدوني للمرأة.
- سروال عبد الحق (دراسة): دراسة تاريخية اجتماعية قام بها الدكتور عبد الصمد الديالمي (نشرت في مجلة أكاديمية بباريس 1998)، حلل فيها كيف تحول سروال السلطان عبد الحق (مؤسس الدولة المرينية) إلى رمز للبركة وطقس شعبي لتسهيل الولادة. بيّن في هذه الدراسة كيف توظف السلطة السياسية الرموز الصوفية والشعبية لاكتساب الشرعية الدينية.
