12, فبراير 2026

حين تتحوّل أدوات حفظ الأمن إلى وسائل لإزهاق الأرواح

ربيع الإدريسي (+)

حادثة مقتل شاب مغربي على يد شرطي إسباني باستخدام صعقة كهربائية، بدعوى الاشتباه في السرقة، ليست مجرّد واقعة معزولة أو خطأ فردي عابر، بل مؤشر خطير على خلل أعمق في منظومة التفكير والتكوين والمساءلة. خللٌ يجعل من “الاشتباه” مبررًا كافيًا لإنهاء حياة إنسان، ويكشف هشاشة الأمن حين يتولاه من تحكمه الوساوس أو يتغذّى على صور نمطية وعنصرية؛ وهما وصمان لا ينسجمان مطلقًا مع شرف مهنة الشرطة في أي دولة تحترم الإنسان.

 

إن ما وقع ليس حادثًا تقنيًا في استعمال أداة، بل نتيجة ثقافة أمنية مريضة تسترخص الروح البشرية، وتسوّغ العنف القاتل تحت غطاء “الوقاية” و“الردع”. والأقليات، وفي مقدمتها الجاليات المغاربية والعربية، لطالما دفعت ثمن هذه الثقافة في سياقات متعدّدة، حيث تُكال المعايير بمكيالين، ويُحمَّل الاشتباه فوق ما يحتمل، بينما تُخفَّف المحاسبة.

 

مقارنة مهنية لا للمزايدة بل للتعلّم

من خلال خبرة معايشة وملاحظة في دول مختلفة، تتّضح الفوارق بين أمنٍ يحمي الأرواح وأمنٍ يرهبها:

  • في نموذجٍ شرطيٍّ من شرق آسيا، يُقبَض على الجاني بسرعة وهدوء، وتُستعاد الممتلكات دون ضجيج، وتُحفظ الكرامة، وتبقى الأرواح مصونة. تقنيات السيطرة غير المؤذية، والجاهزية النفسية، والصرامة المهنية، كلّها عناصر تُثبت أن حماية الأمن لا تتطلب قتلًا.
  • وفي نموذجٍ خليجيٍّ معاصر، يتحقق الردع قبل الجريمة، ويشعر الجميع—مواطنين ومقيمين—بالأمان دون استعراض قهري للقوة. الأمن هنا منظومة ثقة قبل أن يكون انتشارًا ظاهريًا، وحضور الشرطي غير مرئي للعامة، لكنه حاضر بقوة القانون والجاهزية.

 

حساب العقل قبل انفعال السلاح

حتى بمنطق الحساب البارد:

قيمة خسارةٍ مادية محتملة—إن وُجدت—لا تُقارَن بقيمة روح إنسان. المشتبه غير مسلّح، ولم يهدد أحدًا، والكاميرات قائمة، وآليات التتبّع متاحة. كان بالإمكان التوقيف، أو التعقّب، أو الاستدعاء لاحقًا. لكن سوء التقدير، وتضخّم الاشتباه، والتساهل القانوني مع الإفراط في القوة، حوّل الأمن إلى مصدر رعب، والجريمة المحتملة إلى جريمة محقّقة.

 

منظور قيمي إنساني

في ثقافتنا الإنسانية—والإسلامية خصوصًا—حياة الإنسان مُكرّمة، والاعتداء عليها من أعظم الجرائم. حفظ النفس مقصدٌ أعلى، ومن يُحييها كأنما أحيا الناس جميعًا. الشرطي الذي يمنع الجريمة دون إراقة دم، يُحيي نفسًا في كل لحظة، أما من يُقدِم على القتل بغير حق، فيحمل وزرًا عظيمًا، ويقوّض الثقة بين المجتمع ومؤسسات الأمن.

 

توصيات عملية للمسؤولين وصنّاع القرار

  1. مراجعة شاملة لعقيدة استخدام القوة: جعل “الضرورة والتناسب” معيارًا صارمًا لا يقبل التأويل.
  2. تكوين نفسي وثقافي معمّق: معالجة التحيّزات اللاواعية، وإدارة التوتر، واتخاذ القرار تحت الضغط.
  3. توسيع بدائل القوة القاتلة: اعتماد تقنيات السيطرة غير المؤذية، وفنون التوقيف الآمن.
  4. مساءلة مستقلة وشفافة: لا حصانة مع إزهاق الأرواح؛ العدالة شرط الثقة.
  5. تعزيز الوقاية المجتمعية: الأمن يبدأ بالثقة، وينجح بالشراكة لا بالترهيب.

 

ختامًا

نتقدّم بأصدق عبارات التعزية والمواساة لأسرة الشاب المغربي، سائلين الرحمة له والسلوان لأهله. كما نوجّه نداءً مسؤولًا إلى القيادات الأمنية والسياسية: أشيدوا بما يحفظ الأرواح، وانتقدوا بحكمة ما يزهقها. فالأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد الصواعق ولا بحدة الاستعراض، بل بقدرته على حماية الإنسان وكرامته، ومنع الفتن قبل اشتدادها.

 

(+) كاتب مغربي يقيم في دبي

اترك تعليقاً

Exit mobile version