10, فبراير 2026

 

إسحاق الذبيح في التراث الإسلامي وليس إسماعيل

 

محمد سعيد

(كاتب وباحث مغربي مقيم بالولايات المتحدة الأمريكية)

الذاكرة لا تموت كما التراث لا يموت.

 هذا المقال من بين أربعة مقالات لي منشورة ببعض الجرائد الورقية والإلكترونية بالمغرب منذ سنة (2016 م)، تحدث فيها بما لا يدع مجالاً للشك من خلال التراث الإسلامي، أن الذي كان مزمعا أن يكون الذبيح بالتراث الإسلامي هو “إسحاق وليس “إسماعيل”، وحاولت أن أجيب من خلالها بالدليل الموثق من التراث الإسلامي وليس من خارجه بأن الذبيح الابراهيمي هو “إسحاق” وليس “إسماعيل”، وهنا أعود لنشر هاته المقالات بعد تحينها لفهم واستيعاب هذه الإشكالية التي لطالما تعرضت للسؤال عنها من طرف بعض الباحثين والقراء.

 ولكيلا يقال بأنني أتحامل على هذا التراث، فأنا لست سوى ناقل لما قرأته وما سبرت أغواره منذ سنوات عديدة من داخل هذا التراث نفسه، والذي كنت أمثله في حقبة من تاريخي الصغير. فما سأسرده هنا في أربعة مقالات عن هذا الموضوع الشائك، ليس قراءة إيديولوجية كما يبتغي أن يسميها البعض، ولكن هي قراءة لحقيقة تاريخية لا يمكننا تغطيتها بالغربال.

 ففي بداية الإسلام كان يعتبر الذبيح هو “إسحاق” وليس “إسماعيل”، خصوصا في القرنين الأولين من بزوغه (الإسلام)، لذلك فشخصيا عرفت سبب هذا التغيير، ومن هنا أردت أن يعرف القراء سبب هذا التغيير بذون حكم مسبق أو إسقاط على ما سأسرده منجما هنا، كما أطلب من الباحثين الرصينين والمحايدين في أبحاثهم ومخرجاتهم العلمية أن يرجعوا لهاته المقالات الموجودة على جريدة هيسبريس الإلكترونية سنة (2016 م).

من المعروف أن النص القرآني يتكلم عن رؤية بخصوص شخصية الذبيح، لكن النص التوراتي يتكلم عن محاولة ذبح “إسحاق” فعليا، زيادة على أن النص القرآني لا يحدد من سيق للذبح -هل هو إسماعيل أم إسحاق؟

لكن من خلال قراءتنا للتراث الإسلامي نرى أن هناك مفسرون و إخباريون وشعراء وأصحاب النوادر يوقرون بأن الذبیح الإبراهیمي “إسحاق” و لیس “إسماعیل”، ومن هؤلاء الأديب والإخباري “عبد ربه الأندلسي” (246 – 328 هـ / 860 – 940 م)، وهو من القدماء اللذين قالوا بأن الذبیح هو “إسحاق” و لیس “إسماعیل”، فقد ذكر خبرا عن وفاة إبراهیم یؤكد أن الذبیح “إسحاق”، إذ یقول في “العقد الفرید“: “وفي بعض الحدیث أن إبراهیم خلیل الرحمان كان من غیر الناس، فلما حضرته الوفاة دخل علیه ملك الموت في صورة رجل أنكره، فقال له: “من أدخلك داري؟”، قال: “الذي أسكنك فیها منذ كذا وكذا سنة”، قال: “ومن أنت؟، قال: “أنا ملك الموت، جئت لقبض روحك”، قال: “أتاركي أنت حتى أودع ابني إسحاق؟”، قال: “نعم”، فأرسل إلى إسحاق فلما أتاه أخبره، فتعلق إسحاق بأبیه إبراهیم وجعل یتقطع علیه بكاء فخرج عنهما ملك الموت، وقال: “یا رب ذبیحك إسحاق متعلق بخلیلك”، فقال له الله: “قل له إني أمهلتك”، ففعل وانحل إسحاق عن أبیه ودخل إبراهیم بیتا ینام فیه، فقبض ملك الموت روحه وهو نائم” 1.

هذا ما ذكره “عبد ربه الأندلسي” في كتابه “العقد الفريد”، وهناك شخصية ثانية معروفة ذكرت نفس الأمر كذلك، وهو الشاعر العباسي “أبو العلاء المعري” (363 – 449 هـ / 973 – 1057 م)، إذ قال بأن الذبيح الإبراهيمي هو “إسحاق”، فهذا الشاعر الفيلسوف أكد في بیت شعري له أن الذبیح كان “إسحاق” في دیوانه “سقط الزند*:

 

 فلو صح التناسخ كنت عیسى وكان أبوك إسحاق الذبیح

 

 ويؤكد المتصوف والشیخ الأكبر “محي الدین ابن عربي” (558 – 638 ه / 1164 – 1240 م) الأمر نفسه، فقد ورد في “فصوص الحكم” – باب “قص حكمة حقیة في كلمة إسحاقیة”:

 

 فداء نبي ذبح لقربان وأین نواج الكبش من نوس إنسان*** ولا شك أن البدن أعظم قیمة وقد نزلت عن ذبح كبش لقربان” 2.

 

وقد أجمع “القرطبي” على أن الذبیح هو “إسحاق” أيضاً، يقول المفسر “القرطبي” (1204 – 1273 م)، أن الذبیح “إسحاق”، إذ جاء في تفسیره: “واختلف العلماء في المأمور ذبحه، فقال أكثرهم الذبیح إسحاق”، ومن قال بذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله، وهو الصحیح عنه، فالثوري وابن جریج یرفعانه إلى ابن عباس، قال: الذبیح إسحاق وهو الصحیح عن عبد الله بن مسعود، أن رجلا قال له: “یا ابن الأشیاخ الكرام”، فقال عبد الله: “ذلك یوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبیح الله بن إبراهیم خلیل الله”، ویمضي “القرطبي” في تعداد الصحابة اللذین قالوا إن الذبیح إسحاق: “وروى أبو الزبیر عن علي بن أبي طالب وعن عبد الله بن عمر، أن الذبیح إسحاق، وهو قول عمر”، وذلك مروي أیضاً من الصحابة، و یعدد “القرطبي” أسماء التابعین اللذین قالوا إن الذبیح هو “إسحاق”، وقال به التابعون و غیرهم علقمة والشعبي ومجاهد و سعید بن جبیر وكعب الأحبار وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي برة وعطاء ومقاتل، وعبد الرحمان بن سابط والزهري والسدي وعبد الله بن أبي هدیل ومالك بن أنس، كلهم قالوا الذبیح “إسحاق”، و یأخذ “القرطبي” من قول الیهود و المسیحیین.

و یقول “القرطبي” عن بعض من قال إن الذبیح “إسماعیل”: “وهذا الاستدلال كله لیس بقاطع”، وهكذا نجد “القرطبي” یحتج بقول سبعة من كبار الصحابة، “العباس” وابنه عبد الله و”عبد الله بن مسعود” و”جابر” و”علي بن أبي طالب” و”عمر” وابنه عبد الله 3.

ومن أبرز القدماء القائلین بأن الذبیح هو “إسحاق”، الحافظ والمفسر الإمام “عبد الرحمان السهلي” (508 – 581 هـ)، وقد اشتهر بتفسیره لسيرة نبي الاسلام في كتابه “الروض الأنف في شرح السیرة النبویة لابن هشام”، يقول السهلي في كتابه “التعریف والإعلام في ما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام” متبعا خطى الطبري، وقوله: “فبشرناه بغلام حلیم” (سورة الصافات 101) یعني “إسحاق”، ألا تراه یقول في آیة أخرى: “فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق یعقوب” (سورة هود 70)، وقال في أخرى: “فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقیم” (سورة الذاریات 29)، وامرأته هي سارة، فإذا كانت البشارة بإسحاق نصا فالذبیح لا شك هو إسحاق، لقوله ههنا: “فلما بلغ معه السعي” (سورة الصافات 102)، ولم یكن معه بالشام إلا إسحاق، وأما إسماعیل فكان قد استودعه مع أمه، وهذا عن ابن عباس مرفوعا إلى نبي الإسلام في بطن مكة، وبهذا القول قال ابن مسعود و رواه ابن جریر عن ابن عباس 4.

الهامش:

1-انظر كتاب “العقد الفريد” لابن عبد ربه الأندلسي أبي عمر بن محمد / تحقيق: “أحمد أمين” -دار الكتاب العربي، بيروت 1983 (المجلد الثاني – ص 440)

*ديوان “سقط الزند” هو أحد أبرز الأعمال الشعرية لأبي العلاء المعري، يتكون الديوان من مجموعة من القصائد التي تتناول موضوعات متنوعة، بما في ذلك موضوعات الحب والحكمة، وبه أيضاً تأملات حول طبيعة الوجود ودور الإنسان فيه، حيث يجمع بين المديح والهجاء التقليدي، ويطرح تساؤلات عن معنى الحياة.

2-“فصوص الحكم” لابن عربي (المجلد الأول – ص 84)

3-“الجامع لأحكام القرآن” للقرطبي أبي عبد الله محمد بن أحمد / دار ابن حزم -الطبعة الرابعة 2004 (المجلد الثاني – ص 2604 – 2605)

4-“التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من أسماء والأعلام” السهيلي بن عبد الرحمان / عبد الله النقراط -منشورات كلية الدعوة الإسلامية – طرابلس الغرب 1992 (الطبعة الأولى – ص 272)

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

Exit mobile version