“بين جدران الأمان وحرقة الضمير: انتحار شاب يجسد فشل العدالة في المغرب!”
عبد العزيز الخطابي
في حالة مأساوية غامضة تُضاف إلى سجلات الحوادث المحزنة، أعلن عن وقوع شاب في مقتبل العمر كضحية لحادثة انتحار داخل المركز الوطني للشرطة القضائية في الدار البيضاء. يا للغرابة، ها قد أُعلن عن انتحار هذا الشاب العاقل، رائد القانون ومرشحه للنجاح، داخل جدران الحماية. وكأن لحظة إعلان الخبر لم تكن كافية لزرع زهور الشك في قلوب الجميع.
من يُفترض به أن يكون حاميًا للحقوق، شهدت جدران هذا المركز الحادثة وكأنها تقع في مسلسل درامي يعرض على شاشات التلفاز. ولكن للأسف، هي ليست مجرد مشاهد عرضية، بل هي مشاهد حقيقية ترتبط بحياة إنسان اختار أن يرحل عن هذه الدنيا بطريقة قاسية. كيف يستطيع شخص يعرف أنه في يد السلطة، أن ينهي حياته في حرم يُفترض به تقديم الأمان؟
يُقال إن وراء القصة شكاية قدمها الشاب ضد عميدة شرطة، مما يثير التساؤل: هل كانت تلك الشكاية كفيلاً بإسقاطه في دوامة ضغط اجتماعي ونفسي؟ يبدو أن العدالة في هذه الحالة تلاشت كضباب أمام شمس العدل، لتترك الشاب وحيدًا في مواجهة الرياح العاتية.
قد يُثير هذا الحدث تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقات بين المواطن والدولة. كيف استطعنا الوصول إلى نقطة تُعتبر فيها الشكاوى من المؤسسات الأمنية تعني تسجيل نهاية مأساوية لأرواح المواطنين؟ دون أدنى شك، إن الضغط النفسي الذي يمكن أن يتعرض له الفرد تحت وطأة السلطات المُفترض أنها مدافعة عنه، يعتبر أحد أبرز أسباب تفشي حالات الانتحار في المجتمعات.
لكن المفارقة هنا تكمن في كيفية تعامل مؤسسات الدولة مع مثل هذه الحالات. هل تعلم هذه المؤسسات أن خلف الأرقام والأخبار المتعلقة بالانتحار يكمن واقع مرير يُعاني منه الكثيرون؟ أم أنها مشغولة في إعداد التقارير الباردة التي تُسجل يومياتها وتجعل الأمر يتجاوز جدران المكاتب؟
وبينما تُنبّش الأسئلة في عمق الموضوع، نجد أن أحزاب السياسية ومنظمات حقوق الإنسان تبدو كالتسجيل الصوتي المكرّر في مسلسلاتنا العربية، التي تحكي عن حقوق المواطن ولكن يكاد يكون الاحتجاج في الجوار فقط. أين كانت أصواتهم عندما أُعلنت الأزمة؟ يبدو أن الضغوط فقط على كاهل المواطن، بينما بقيت الأحزاب السياسية تتبادل الاتهامات، وتشكو من ضعف الاستجابة، وكأنهم يمثلون في مسرحية هزلية تتكرر.
أين صوتهم، وأين قدرتهم على إحداث تغيير حقيقي يتجاوز التصريحات العابرة على شاشات الأخبار؟ لا تُعبر هذه الحالة عن مجرّد انتحار فرد، بل تُظهر فشلًا منهجيًا في الربط بين المؤسسات وعامة الناس. فهي تتسرب من بين أروقة البرلمان كأن الأمور تُدبر في الخفاء، والمأساة تتكرر في غفلة عن إنسانيتنا.
وعن الجدران نفسها، هل من العدل أن تتحول إلى شواهد لصمت الأرواح الهائمة؟ هذه المؤسسات التي تُفترض حمايتها، أصبحت تغدو زاوية للمآسي أكثر منها ملاذًا للأمان. وكأنما يُجلسنا البرلمان على منصة لمشاهدة مسلسل رمضاني طويل، حيث لا يوجد نهاية سعيدة ويظل الجمهور في انتظار خلاص هو في متناول أيدينا، ولكننا نتجاهله.
وفي ختام المأساة، يظهر المهم في الصورة: إذا كانت المحاكمات العادلة تعني حبس المواطنين بين قضبان اليأس، وإذا كانت الأحزاب مجرد شعارات بلا فعل، وإذا كانت مؤسسات حقوق الإنسان تُحاصر بالنمطية، فكيف يمكننا أن نتوقع أن تأتي الأخبار السارة في المستقبل؟ سيبقى السؤال بلا إجابة، وتبقى الحكاية مترابطة – جدران الأمان التي تهدم الحياة، وضحايا تُحارب من أجل الحصول على أصوات معترف بها.
هل سنستمر في مشاهدة الأحداث تتكرر، أم أن الخيار لدى المجتمع للنضال من أجل تنفيذ العدالة الحقيقية؟ قد تكون الجدران كفيلة بأن تصد، لكن القلب لا يمكن أن يصمت. دعونا نسعى للحصول على إجابات، فالعالم بحاجة إلى زعزعة حقيقية تعيد للأرواح المقهورة حقوقها.
