إسحاق الذبيح في التراث الإسلامي وليس إسماعيل (الجزء الثالث)

محمد سعيد/ كاتب وباحث
ذكرنا في المقال السابق والذي يحمل العنوان نفسه (إسحاق هو الذبيح في التراث الإسلامي وليس إسماعيل)، خمسة شهود يشهدون بكتاباتهم وتفسيراتهم بأن الذبیح الابراهيمي هو “إسحاق”، وهم “عبد ربه الأندلوسي” والشاعر والفيلسوف “أبو العلاء المعري”، والشيخ الأكبر “محي الدين ابن عربي”، والمفسر المغمور “القرطبي”، زيادة على المفسر الفقيه الإمام “عبد الرحمان السهلي”، والمؤرخ والإخباري “ابن خلدون”. وها نحن نسترسل بشهود اخرين كذلك، هم “ابن سلام الجمحي” و”ابن قتیبة”، و “المتنذر” المعروف بـ”مزيد المديني”، و”الثعلبي”، وأيضاً صاحب “صحيح البخاري” الإمام “محمد البخاري” والمفسر القرآني الشهير “الإمام الطبري”.
ابن سلام الجمحي (140 – 231 ه / 757 – 846 م) في كتابه “طبقات الشعراء” یذكر شعرا لجریر، یهجو فیه “سراقة البارقي”، جاء فيه:
ولقد همت بأن أدمدم بارقا***فحفظت فیهم عمنا إسحاق
یقول “ابن سلام” معلقا: “یعني إسحاق الذبیح”، و”ابن قتیبة” (213 – 276 ه / 828 – 889 م)* یقول في كتابه “المعارف”، إن الذبیح هو “إسحاق”، و یستند في قوله هذا إلى رأي أهل السيرة والمؤرخين المسلمین وأيضاً إلى التوراة، ففیها قرأ كما یقول: “الذبیح كان إسحاق”، ویعرض “ابن قتیبة” في كتابه “المعارف” للخلاف الواقع بین المسلمین في هویة الذبیح، وذلك قبل أن یبدي الرأي المذكور، فیورد ستة سلاسل من أسانید الأحادیث القائلة بالذبيح الإبراهيمي “إسحاق”، وسلسلتي الأحادیث التي تقول بإسماعیل، ولنا شهادة أخرى تجمع ما بين الطرافة و العفویة إلى عمق الدلالة، إنها ل”مزید المدیني”، وهو من أصحاب النوادر والفكاهة الشهيرين عند العرب، ويقع التحریف في اسمه كثیرا فیقال “مزید” على ما یذكر المحقق المصري “عبد السلام هارون” (1909 – 1988 م)*.
و”مزید المدیني” كان معاصرا للخلیفة العباسي الثالث “المهدي” (158 – 169 ه / 775 – 785 م)، ونشأ في “یثرب” ونسب إلیها، وكانت نوادره تدخل بلاط الخلیفة “المهدي” عن طریق “أبي حبیب”، مضحك الخلیفة، وقد ذكر له “أبو الفرج الأصبهاني” (284 – 356 ه / 897 – 967 م) نادرة مع “عبد الله بن مصعب الزبيري” (156 – 236 ه / 773 – 851 م) و”بصبص” جاریة الخليفة “المهدي”، أما ما یهمنا من نوادر “مزید” فما یروى عن دیكه الذي صار مضربا للأمثال، فیقال: “أغلى من دیك مزید”، وقد نقل لنا المتصوف الفيلسوف “أبو حیان التوحیدي” (310 – 414 ه / 922 – 1023 م) هذه الطرفة كما یلي: “أراد مزید أضحیة فلم یجدها، فأخذ دیكا لیضحي به فوجه إلیه جیرانه شاة شاة حتى اجتمع عنده سبع شیاه، فقال دیكي أفضل عند الله من إسحاق، لأنه فدى بكبش و دیكي بسبعة”، هذه الشهادة غنیة بعفویتها وطرافتها عن التعقیب، إذ تبين لنا أن الوجدان الشعبي الإسلامي كان وحتى منتصف القرن الثاني الهجري لازال یقر بأن الذبیح هو “إسحاق”. و”أبو حیان” ناقل خبر دیك “مزید” یمكن إدراجه مع سائر الكتاب المعاصرين له من القرن الرابع الهجري القائلین إن الذبیح “إسحاق”.
وجاء في كتاب قصص الأنبياء المسمى “عرائس المجالس” للثعلبي: “قال الشعبي: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ستة عشرة سنة، وذُبحَ إسحاق وهو ابن سبع سنين، وكان مذبحه على بعد ميلين من بيت المقدس” 1، وما نذكره أيضاً في هذا الشأن أن الإمام محمد البخاري (194 – 256 ه / 810 – 870 م)، لا يعين في صحيحه هوية الذبيح، وكأنه شاء عمدا عدم الخوض في هذه المسألة، وقال في تاريخه إنه “إسحاق” وليس “إسماعيل” رغم وجود روايات صحيحة على شرطه تقول إنه “إسماعيل”، ومن المستبعد جداً في نظر الباحث ذي الرصانة والمعرفة بالتراث الإسلامي وإشكالاته أن يقول إنه لم ير ذلك، ومن أبرز القائلين من القدماء أن الذبيح هو “إسحاق”، المؤرخ وإمام المفسرين “ابن جرير الطبري” (224 – 310 ه / 839 – 923 م)، ففي تاريخه وفي تفسيره لا يخفي رأيه في هوية الذبيح، وإن كان يذكر الآراء الأخرى المخالفة، إذ يقول: “واختلف السلف من العلماء بأمتنا في الذي أمر إبراهيم بذبحه من ابنيه، فقال بعضهم هو إسحاق ابن إبراهيم، وقال بعضهم إسماعيل بن إبراهيم. وقد روي عن رسول الله (ص) كلا القولين، ولو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره، غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التي رويت عنه أنه قال، هو إسحاق أوضح وأبين منه على صحة الأخرى” 2.
ويعود “ابن جرير الطبري” ليؤكد رأيه في هوية الذبيح فيقول: “وأما الدلالة من القرآن على أن القول بإسحاق أصح، فترد في قوله تعالى مُخبرا عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومه مهاجرا إلى ربه بالشام مع زوجته سارة: “وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين” (سورة الصافات 99)، و”ربي هب لي من الصالحين” (سورة الصافات 99 – 100)، وذلك قبل أن يعرف هاجر وقبل أن تصير له أم لإسماعيل، ثم أتبع ذلك الخبر عن إجابته دعاءه وتبشيره إياه بغلام عليم (سورة الصافات 28) “فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم” (سورة الذاريات 28 – 29)، ثم كذلك في كل موضع ذكر فيه تبشير إبراهيم بغلام، فإنما ذكر تبشير الله إياه به من زوجته سارة، فالواجب أن يكون ذلك في قوله: “فبشرناه بغلام حليم” (سورة الصافات 101) نظير ما جاء في سائر سور القرآن من تبشيره إياه من زوجته سارة.
وهنا يتبين لنا أن “الطبري” يستمد من القرآن نفسه لا من الأحاديث الدليل على أن الذبيح هو “إسحاق”، وبعد عرض مُختلف الأحاديث والمرويات في هذه المسألة، يؤكد رأيه فيها: “قال أبو جعفر الطبري، وأولى القولين بالصواب في المفدي من ابني إبراهيم الخليل على ظاهر التنزيل، قول من قال هو إسحاق لأن الله قال: “وفديناه بذبح عظيم”، فذكر أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به، وكان الله تبارك اسمه قد بين أن الذي بشر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب (سورة هود 71)، وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره بولد، فإما هو معني به إسحاق، كان بينا أن تبشيره إياه بقوله “فبشرناه بغلام حليم”، في هذا الموضع نحو سائر أخباره عن غيره من آيات القرآن” 3.
الهامش:
*”ابن قتيبة”، أبو محمد عبد الله بن مسلم، عرف بقضائه في مدينة “الدينور”، ولد بالكوفة ثم انتقل إلى بغداد، وهو فقيه وأديب لغوي.
*”عبد السلام هارون”، من علماء اللغة العربية، أستاذ سابق بكلية الأداب جامعة الإسكندرية وأحد أدبائها، بحاثة ومحقق، ويعد من أشهر المحقيقين في التراث العربي الاسلامي.
1 – “عرائس المجالس” الثعلبي (ص 46)
2 – “قصص الأنبياء من تاريخ الطبري” تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا – دار الفكر، بيروت / الطبعة الأولى 2002 (ص 158)
3 – “جامع البيان عن تأويل القرآن” تحقيق: صدقي العطار – دار الفكر، بيروت / الطبعة الأولى 2005 (المجلد الثالث والعشرون – ص 84).