منظمة “حماس” هل هي حركة مقاومة؟
محمد سعيد/ كاتب وباحث
هل سئِمْتَ مثلي من سماع تلك الأسطوانات المشروخة التي تتردّد في العالم العربي الاسلامي عن الصراع العربي الإسرائيلي؟ هذا الصراع الذي أصبح صراعاً محدودا اليوم رغم الادعاء بغير ذلك.
تلك الأسطوانة التي جعلت من القضايا خارج جغرافية المغرب تمثل اهتماما أوليا للمؤدلجين والمُستلبين، بدل الاهتمام بمشاكل المجتمع المغربي التنموية والاقتصادية والحقوقية…، وعدم إيجاد حل لأبناء المغرب الذين يحاولون الهجرة عبر قوارب الموت بالبحر، وعدم محاربة أفات المخدّرات والرّشوة والفساد وتبدّد الأحلام بالمغرب الطامح للتحول الديمقراطي.
هل سئمت مثلي من كل هذه الأسطوانات؟ وهذه اللعنة التي ترافقك حيثما حللت وارتحلت في العالم المسماة ب”حركة حماس”؟
هل سئمت مثلي من هذا الولاء للهالكين؟
غاية هذا المقال بالدرجة الأولى الذي أشاركه معكم، هو من أجل البرهنة على أن القضية الفلسطينية قضية دينية أخذت أبعاد سياسية، وأنا وعينا بها وعي مركب*.
هذا المقال أيضاً يريد أن يبرهن بأن المغربيات والمغاربة يجب أن يهتموا بقضاياهم الأنية، وبأن الأمّة ذات العبقرية الفريدة هي التي تبني مُستقبلها بعيداً عن الإسلام السياسي وأحلام القومية العربية، واليسار المتهالك الذي لم يبقى منه إلا الاسم، والاهتمام بذل ذلك بجزيرتنا المغربية على حد تعبير المفكر المغربي “عبد الله العروي” الذي صمت وتكلم الغوغاء عبر منصاتهم المدعوة بالصحفية وهي بعيدة عن ذلك.
فبدون إلهاء الحواس واتهامي بأنني عميل لجهات معينة بنشري لهذا المقال، كعادة المشوشين الذين تنقصهم الحيلة اتجاه أي فكرة أو معطى مخالف لما يؤمنون به، فإنني أؤمن بأن حل القضية الفلسطينية هو في نبذ العنف وحذف صفة المقاومة عن حركة “حماس”، فالإرهاب إرهاب، فلا يمكن حل هذه القضية لمن لازال يؤمن بأن اليهود يجب سحقهم وذبحهم كما ذبح يهود “بنو قريضة” من الوريد إلى الوريد حسب المرويات بالتاريخ الإسلامي، والتي قالت بتجاوز عددهم السبع مئة إلى التسع مئة وخمسون يهوديا.
كذلك لا يمكننا رفع الظلم عن الغزيين بكتابة “الستاتوهات” هنا وهناك بأسماء مستعارة و”بروفيلات” غير حقيقية، ولا يمكن نهائيا تغيير أي شيء يحيط بنا فقط بتمثيل الغضب بصور خاصة بالصفحات الشخصية، بل يجب أن تكون لنا خطوات عملية في القول، فالجزء الكبير مما يقع لأهل “غزة” اليوم سببه تهور هاته المنظمة الإرهابية، فالألاف ممن قضوا نحبهم، تتحمل هاته الحركة المسؤولية الأخلاقية الجسيمة في هلاكهم.
إن العنف عنف والجريمة جريمة مهما كانت دواعيها، فالجريمة نفسها قابلة لأن تفلسف كما قال “ألبير كامو”* مرة، فلا يمكن لرفضنا للعنف أن يكون ذا مصداقية إلا إذا رفضناه رفضا لا تردد فيه ولا تحفظ.
إنني أزداد اقتناعا يوم بعد يوم، أن حركة “حماس” محكومة بإيديولوجية خطيرة وعنيفة وغير واضحة المعالم، إيديولوجية لا تعتبر الناس متساوين بالضرورة، إيديولوجية خطيرة كمنظمة “ااكوكلاك كلان” الأمريكية*، عنصرية اتجاه اليهود كالنازية…، يستطيع أهل هذه الإيديولوجية اتباث العكس إذا غيروا موقفهم من العنف، فقد سبق أن كذب المُسلمون “صامؤيل هنتنغتون”* لما قال :”أن الشعوب الإسلامية تميل إلى العنف في الأزمات الدولية”، ولا نرى اليوم إلا صدق “هنتنغتون” وكذب المُسلمون، وما عملته منظمة “حماس” في السابع من أكتوبر (2023 م) لهو دليل على ما نقول ولا ندعيه، ففي ميثاق منظمة “حماس” (1 ماي 1988 م)*، نرى ارتباط هذه المنظمة بشكل واضح بجماعة “الاخوان المُسلمين” (وما أدراك بجماعة الاخوان المسلمين)، وتعتبر أن الحل الوحيد للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي هو الجهاد المُسلح، ودعوتها لإنشاء دولة إسلامية، ويستخدم الميثاق لهجة معادية بشكل لا لبس فيه تستهدف اليهود، وقد صاغ هذا الميثاق شخصٍ واحد، هو الشيخ “عبد الفتّاح دخان”*، أي أنه لم يعمل بطريقة ديمقراطية أو تشاركية ليؤخذ ويرد فيه بين الجميع، فقد كتب هذا الميثاق عندما كانت الحركة في أوائل مراحل تشكيلها قاصيا للمكونات الفلسطينية الأخرى، فالميثاق خاص بمن يتبنى الجهاد والعنف (الإرهاب) من أجل زوال اسرائيل فقط، لذلك فعلى المعتدلين بالعالم الاسلامي ألا يحكموا على منظمة “حماس” من خلال ما تدعيه من اعتدالٍ خطابها بل من خلال أعمالها على أرض الواقع.
تستشهد منظمة “حماس” بالشيخ “حسن البنا”* مؤسس جماعة “الإخوان المسلمين” بمصر في ميثاقها وفي إعلانها، إذ تقول: “أن معركتها مع اليهود جد كبيرة وخطيرة وتحتاج إلى جميع الجهود المخلصة، وهي خطوة لا بد من أن تتبعها خطوات، وكتيبة لابد من أن تدعمها الكتائب تلو الكتائب من هذا العالم العربي والإسلامي المترامي الأطراف حتى يندحر الأعداء، ويتنزل نصر الله”، ففي هذا التقديم للإعلان نرى أن منظمة “حماس” تكن عداء دفينا للأخر، أي ذلك اليهودي، ثم تستشهد بآيات قرآنية تدم الأخر وتحظ على قتاله، ولتؤكد هذا المنحى تضيف، أن نبي الإسلام، يقول: “لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المُسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مُسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ” (رواه البخاري ومسلم)، وفي المادة الثانية من الباب الأول، تؤكد هاته المنظمة الارهابية، على أنها جناح من أجنحة الإخوان المُسلمين بفلسطين، وفي المادة الخامسة عشرة من الباب الثالث، تقول: “لا بد من ربط قضية فلسطين في أذهان الأجيال المُسلمة على أنها قضية دينية، ويجب معالجتها على هذا الأساس…”، ومن هنا يتبين أن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هو صراع ديني وليس صراع جيو سياسي كما يقول أرباع المثقفين من اليسار إلى اليمين.
أيضاً تستغل منظمة “حماس” العاملين في المجال الانساني الدولي، إذ في (مارس 2016 م) مثلاً، ألقي القبض على منسق فرع “وكالة التعاون والتنسيق التركية” في غزة “محمد مرتجي” بتهمة مساعدة المنظمة الإرهابية، إذ قام بتحويلات نقدية من المنظمة التركية إلى مسؤولي “حماس” في الضفة الغربية، وقد سمحت منظمة “حماس” لتنظيم الدولة الاسلامية، المعروف بالاسم المختصر “داعش” بإدارة قناة اعلامية من قطاع “غزة”، وقد بتبت من خلالها مسؤوليتها عن هجمات شنتها بمصر، كما عالجت “حماس” المقاتلين الجرحى من تنظيم “الدولة الإسلامية” بالمستشفيات التي تديرها، كما أتت بعض الأسلحة التي استخدمها تنظيم “الدولة الإسلامية” في الهجمات ضد القوات المصرية من “غزة” إلى سيناء، الأمر الذي أقلق السلطات المصرية.
خلاصة: لست هنا مدافعا عن “اسرائيل” في وجودها من عدمه كما يتوهم البعض، فهي ليست في حاجة لمن يدافع عنها، وهذا لا يعني أنني لا أدين قتل المدنيين من الفلسطينيين اللذين يطمحون لقيام دولة تحتضنهم، فإسرائيل تتحمل المسؤولية عن الإرهاب المضاد اتجاه الغزيين وترحيلهم، لكن تبقى منظمة “حماس” منظمة إرهابية وليست حركة مقاومة، وهي المسؤولة الأولى عن ضياع سبعين ألف نفس بغزة.
الهامش:
*كتبت هذا المقال في الأصل بعد حادث طوفان الأقصى (الأغبى)، ولم أنشره حينذاك، وهنا أعدت تحينه من أجل أن أشاركه مع القراء.
*”ألبير كامو” (1913 – 1960 م) روائي وكاتب مسرحي فرنسي ولد بالجزائر، له العديد من الروايات، وهو حصل على جائزة نوبل للآداب سنة (1957 م)
*تأسست منظمة “كوكلوكس كلان” سنة (1865 م) بأمريكا، وشن أعضائها حملة سرية من الترهيب والعنف ضد زعماء الجمهوريين البيض والسود.
*صمويل هنتنغتون (1927 – 2008 م) مفكر وسياسي أمريكي، أستاذ سابق بجامعة “هارفارد” لأكثر من خمسين سنة، عرف بفكرته النظرية عن “صراع الحضارات” التي أثارت جدلاً فكريا وسياسيا على مستوى العالم.
*نشر هذا الميثاق لأول مرة ب”شغاغو” / الولايات المتحدة الامريكية من طرف “الجمعية الإسلامية لفلسطين” في (1 ماي 1988 م)، *وهناك تاريخ أخر لهذه الوثيقة، وهو (18 غشت 1988 م)
*”طارق عبد الفتاح دخان” (1936 – 2023 م) أحد مؤسسي حركة “حماس” السبعة، صدر له كتاب “الإخوان المسلمون والقضية الفلسطينية في القرن العشرين” سنة (2000 م).
*”الشيخ حسن البنا الساعاتي” (1906 – 1949 م) مؤسس حركة الاخوان المسلمين ومرشدها.
