4, يونيو 2026

مع حلول صيف كل عام، لا ترتفع فقط درجات الحرارة، بل ترتفع معها وتيرة التصريحات والحملات التحسيسية المرافقة لامتحانات البكالوريا. وكالعادة، تتصدر مبادرة الوزارة لمحاربة الغش المشهد، لتتحول قاعات الامتحانات إلى ساحة لـ “سباق تسلح” تكنولوجي من نوع خاص.
فمن جهة، تقف الوزارة ترسانتها القانونية والتقنية: أجهزة كشف المعادن، لجان يقظة إقليمية، عقوبات زجرية قاسية تصل إلى الحرمان من اجتياز الامتحان لسنوات، وشعارات رنانة تؤكد على مبدأ تكافؤ الفرص.
ومن جهة أخرى، يقف صنف من المترشحين قرروا توظيف ذكائهم في المكان الخطأ؛ فتراهم يستوردون أحدث تقنيات التجسس المصغرة:
• سماعات (VIP) بحجم حبة العدس.
• أقلام ذكية وكاميرات خفية تُزرع في النظارات.
• بطاقات إلكترونية تُخاط بعناية تحت الملابس.
المفارقة المضحكة المبكية هنا هي لو أن التلميذ استثمر نصف الجهد الذهني والمالي الذي يبذله في التخطيط لعملية الغش، في مراجعة دروسه وفهم مقرره، لكان اليوم من الأوائل!
طبعا لا أحد يجادل في أن صرامة الوزارة ومبادراتها لمحاربة الغش هي خطوات محمودة وضرورية. لا يمكن بناء مجتمع سليم بشهادات مزورة، ولا يمكن مكافأة المجدّ بمساواته مع من استسهل طريق الخداع. لكن، هل المقاربة الأمنية والزجرية وحدها تكفي؟
إذا كنا نغلق منافذ الغش التكنولوجي اليوم، فغداً سيظهر ما هو أحدث. المعركة الحقيقية لا يجب أن تدور فقط على أبواب مراكز الامتحان بواسطة أجهزة المسح الضوئي، بل يجب أن تبدأ قبل ذلك بكثير: في الفصول الدراسية، وفي البيوت.
إن لجوء التلميذ إلى الغش يعكس في جزء كبير منه أزمة ثقة، وخوفاً مرضياً من “شبح البكالوريا” الذي صوره المجتمع كمسألة حياة أو موت. لقد حولنا التعليم إلى سباق محموم نحو النقطة، ونسينا أن الهدف الأساسي هو بناء العقل وتطوير المهارات.
وخلاصة القول أن مبادرة محاربة الغش يجب أن تستمر، وبكل حزم، حمايةً لقيمة الشهادة المغربية ولجهد التلاميذ الشرفاء. ولكن، الحل الجذري في هذا “المنعطف الضيق” يكمن في ابتكار نظام تقييم يقيس الفهم والتحليل، بدل نظام يعتمد على الحفظ والتلقين المفرط.. نظام يجعل من الغش عملية مستحيلة، ليس لأن المراقبة شديدة، بل لأن طبيعة الامتحان تتطلب عقلاً يفكر، لا آلة تنسخ!

اترك تعليقاً

Exit mobile version