الكراهية والسلام خيار الإنسانية بين الهدم والبناء.
عبد الإله ضعيف
إن موضوع الكراهية والسلام ليس شأنًا محصورًا في دولة دون أخرى، ولا قضية مرتبطة بشعب بعينه، بل هو سؤال مركزي يهم مستقبل الإنسانية جمعاء، ويعكس مستوى نضج الأمم، وحكمة القيادات، ووعي الشعوب. إنه ميزان الأخلاق في السياسة، ومعيار الرقي في العلاقات الدولية، واختبار حقيقي لمدى قدرتنا على الانتصار للقيم الإنسانية الجامعة بدل الانزلاق إلى نزعات الانقسام والصراع.إننا نعيش في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتقاطع فيه المصالح، وتتعدد فيه التحديات، وفي خضم هذا الواقع المعقد، أصبحت الكراهية من أخطر السموم التي تهدد استقرار الدول وتماسك المجتمعات، لأنها تفسد العقول قبل أن تدمّر الأوطان، وتزرع الشك بدل الثقة، والانقسام بدل الوحدة، والفوضى بدل السلم. فحين تتغذى الخطابات على التحريض، يصبح البناء هشًا، وتضيع فرص التعاون، وتُهدر طاقات الشعوب في معارك جانبية لا تخدم التنمية ولا الاستقرار.وفي المقابل، يبقى السلام أسمى القيم الإنسانية، وأرقى خيار سياسي تتبناه الدول العريقة التي تؤمن بأن البناء لا يكون بالعداء، وأن القوة الحقيقية لا تُقاس بحدة الخطاب أو منسوب التصعيد، بل بالحكمة والرزانة، والقدرة على تدبير الاختلاف بعقلانية ومسؤولية.
إن المملكة المغربية الشريفة، عبر تاريخها العريق، شكّلت نموذجًا متفردًا في ترسيخ ثقافة السلام ونبذ الكراهية. وهو نهج لم يكن ظرفيًا ولا مصلحيًا، بل خيارًا استراتيجيًا أصيلًا، متجذرًا في هوية الدولة المغربية، ومؤطرًا بتوجيهات الملوك المغاربة العلويين الشرفاء، الذين جعلوا من الاعتدال، والتسامح، والتعايش، وحسن الجوار ركائز ثابتة في السياسة الخارجية والداخلية للمملكة.
لقد علمتنا المدرسة الملكية المغربية أن السلام ليس شعارًا للاستهلاك، بل ممارسة يومية ومسؤولية أخلاقية، وأن الحوار أقوى من الصدام، وأن احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية أساس لأي علاقة دولية متوازنة. ولذلك ظل المغرب، عبر العقود، بلدًا موثوقًا، وصديقًا صادقًا، وشريكًا مسؤولًا، يختار دائمًا منطق التهدئة بدل الاستفزاز، ومنطق البناء بدل الهدم، ومنطق المبادرة بدل ردّ الفعل.وتحت القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، رسّخ المغرب حضوره كدولة سلام، وفاعل دبلوماسي متزن، وصوت عقل داخل المنتظم الدولي، يدافع عن القضايا العادلة بمشروعية تاريخية وقانونية، ويساهم في حل النزاعات بالحوار، ويناصر الاستقرار والتعاون جنوب-جنوب، خاصة في القارة الإفريقية، من منطلق أخوي وإنساني بعيد عن أي خطاب كراهية أو إقصاء. إن محاربة الكراهية لا تتم فقط عبر القوانين والتشريعات، رغم أهميتها، بل تبدأ أولًا ببناء الإنسان. تبدأ من المدرسة التي تربي على قيم المواطنة، ومن الإعلام المسؤول الذي ينتصر للحقيقة ويرفض الإثارة والتحريض، ومن الخطاب الديني الوسطي المعتدل الذي يحصّن النفوس من التطرف، ومن الثقافة التي تفتح الآفاق بدل أن تغلقها. فالدول التي تستثمر في الإنسان، تحصّن أوطانها، وتؤسس لمستقبل آمن ومستقر.وفي هذا السياق، يبرز النموذج المغربي كخيار حضاري متكامل، يجمع بين الأمن والاستقرار، والانفتاح والتسامح، والاعتدال الديني، والدبلوماسية الهادئة. وهو ما جعل المملكة تحظى بالاحترام والتقدير إقليميًا ودوليًا، وتُصنف كفاعل مسؤول يسعى إلى التقريب بين وجهات النظر بدل تأجيج الخلافات.ومن منطلق هذا النهج الراسخ في ثقافة السلام، تؤكد المملكة المغربية دومًا على تمسكها بحسن الجوار، خاصة في علاقتها مع الجارة الجزائر الشقيقة، انطلاقًا من روابط التاريخ، ووحدة الدين، وتشابك العادات والتقاليد، وما يجمع الشعبين المغربي والجزائري من أواصر الأخوة والدم والمصير المشترك. فالمغرب ظل يعبّر، في كل المناسبات، عن إرادته الصادقة لفتح صفحة جديدة، يسودها الاحترام المتبادل، والتعاون المثمر، والتنسيق الذي يخدم استقرار المنطقة المغاربية، ويعزز التنمية المشتركة، ويقوّي الروابط العائلية والاجتماعية التي لم تنقطع بين الشعبين رغم كل التحديات.
إن الدعوة إلى الحوار الصريح والمسؤول، وتجاوز منطق التصعيد، والاحتكام إلى الحكمة، ليست ضعفًا ولا تنازلًا، بل تعبير عن ثقة دولة عريقة في نفسها، وإيمانها بأن المستقبل لا يُبنى إلا بالتفاهم والتكامل لا بالتنافر والقطيعة. فالشعوب المغاربية في حاجة إلى الأمل، وإلى مشاريع مشتركة، وإلى فضاء من التعاون والتضامن، أكثر من حاجتها إلى خطابات التوتر والاصطفاف.إن المغرب، وهو يدافع عن ثوابته الوطنية ومصالحه العليا بكل وضوح ومسؤولية، يفعل ذلك بروح دولة سلام، تؤمن بأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة، وأن الجغرافيا قدر مشترك، والتاريخ ذاكرة واحدة، والمستقبل مسؤولية جماعية.إن عالمنا اليوم في حاجة ماسة إلى استحضار قيم السلام، وتغليب منطق الحكمة، والانتصار للإنسان أينما كان. وهذا يفرض علينا جميعًا مسؤولية أخلاقية وتاريخية لمواجهة خطاب الكراهية، ونشر ثقافة الحوار، وتعزيز الثقة بين الشعوب والدول، لأن البديل عن السلام ليس إلا مزيدًا من التوتر والخسارة الجماعية.
وفي الختام، أؤكد بكل اعتزاز أن المملكة المغربية الشريفة ستظل وفية لنهج ملوكها، متمسكة بقيمها الحضارية، مدافعة عن السلام، رافضة للكراهية، ومؤمنة بأن مستقبل الإنسانية لا يُبنى إلا بالتفاهم، والاحترام المتبادل، وحسن الجوار، والتعايش السلمي بين الأمم.حفظ الله المملكة المغربية الشريفة،وحفظ الله أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده،
وأدام على وطننا العزيز نعمة الأمن والاستقرار والسلام.
ودائما تجمعنا جميعا القيم المشتركة بحب الله وحب الوطن وحب الملك.
