وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ!
الأستاذ/ خليد بنعكراش (*)
رغم مرور قرون على نزول القرآن، ورغم التطور الهائل في أدوات المعرفة والتفكير، ما يزال الخلاف حول فهمه وتأويله قائمًا، بل ومتسعًا. مدارس، تيارات، اتجاهات، كلٌّ يزعم امتلاك المنهج الصحيح، وكلٌّ يرى غيره إما متشدّدًا أو متسيّبًا أو متخلفا أو متطفلا. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم تنجح البشرية في الاتفاق على طريقة واحدة منضبطة لتدبر كتاب يفترض أنه هداية للناس كافة؟
العودة إلى التاريخ تكشف أن اختلاف الأوائل في فهم القرآن لم يكن سببه نقص العلم أو ضعف الإيمان، بل اختلاف المناهج التي اعتمدها كل شخص في مقاربة النص. فكل مفسر كان ينطلق من تصوّر خاص عن كيفية الفهم، ويعتبر تصوره هو الأقرب إلى الصواب. ومع مرور الزمن، تحولت هذه المناهج إلى هويات فكرية مغلقة، ثم إلى مذاهب، ثم إلى تيارات، ثم إلى صراعات.
وعندما حاول بعضهم توحيد المناهج، لم يتقلّص الخلاف، بل ازداد؛ لأن الرأي الشخصي ظلّ هو الحاكم الخفي لتلك المحاولات. فالمنهج لم يكن يُستخرج من النص، بل كان يُفرض عليه. وهنا تكمن المفارقة: بدل أن يُضبط الرأي بالمنهج، صار المنهج خاضعًا للرأي. وهذا المشهد لا يختلف كثيرًا عمّا نعيشه اليوم. فكل متدبر معاصر تقريبًا يزعم امتلاك “الفهم الصحيح”، ويعتبر أن غيره لم يبلغ مستوى الوعي أو التحرر أو العمق الكافي. ورغم أن الزمن تقدّم، فإن الإشكال بقي كما هو: الهوى ما يزال هو الحكم.
لكن إذا نظرنا إلى تاريخ العلوم، سنلاحظ أمرًا لافتًا: لم تستقر الرياضيات، ولا الفيزياء، ولا الطب، ولا الكيمياء، إلا عندما وُضعت لها قواعد صارمة ومناهج دقيقة تضبط البحث والاستنتاج. لم يعد العالِم يقول: “هذا رأيي”، بل يقول: “هذا ما يفرضه المنهج”. ومن هنا تقلّصت الفوضى، وتحوّل الخلاف من صراع إلى حوار علمي. فلماذا لا يحدث الأمر نفسه في تدبر القرآن؟
السبب، كما يُلاحظ، هو أننا لم نجعل الله هو الحاكم في منهج فهم كتابه، بل جعلنا أنفسنا الحكّام عليه. فنحن نأتي بمناهج جاهزة من الخارج، ثم نحاول إسقاطها على النص، بدل أن نستخرج المنهج من داخل القرآن نفسه. وهنا تبرز إشكالية عميقة: القرآن ليس نصًا بشريًا حتى يُقرأ بمنطق بشري صرف، وليس تجربة أدبية مفتوحة على كل الاحتمالات، بل هو خطاب إلهي محكم له منطقه الخاص، ونظامه الدلالي الخاص، ومنهجه الخاص في إنتاج المعنى. ولهذا فإن محاولة أي إنسان – مهما بلغ علمه – أن يصنع منهجًا لتدبر القرآن دون أن يستند إلى آياته ذاتها، ودون أن يستخرجه من بنيته الداخلية، ليست اجتهادًا علميًا، بل تدخّل في مجال إلهي، وادعاء ضمني بأن الإنسان قادر على أن يعلّم الله كيف يُفهم كلامه.
ولو أننا جعلنا قول الله هو المرجع، لا آراءنا؛ ولو جعلنا القرآن يفسر نفسه بنفسه؛ ولو استخرجنا منهجه من داخله لا من خارجه؛ لتقلّصت الاختلافات تلقائيًا، كما تقلّصت في سائر العلوم عندما وُضعت لها قواعد. فالقرآن ليس مجالًا للانطباعات، ولا حقلًا للتجريب الرمزي، ولا مساحة لتفريغ الذات. إنه نص له نظام، ومنطق، وبنية، ومن لم يدخل إليه من هذا الباب، فلن يصل مهما ظن أنه وصل. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لسنا مختلفين لأن القرآن غامض، بل لأننا لم نسلّمه القيادة.
(*) كاتب ومؤلف وباحث
من المغرب، يقيم بالسنغال
