20, يناير 2026

حين يتحول تدبر القرآن إلى فوضى

خليد بنعكراش

في السنوات الأخيرة، ظهرت على الساحة الفكرية أصوات متعددة تُعرف بعبارة “المتدبرين المعاصرين للقرآن”، وتطرح قراءات جديدة للنص القرآني تحت شعار التحرر من التراث والانطلاق المباشر من كتاب الله تعالى. ورغم أن الدعوة إلى التدبر تمثل أمرًا قرآنيًا أصيلًا، إلا أن الإشكالية لا تكمن في التدبر ذاته، بل في منهجية ممارسته. فغالبية هذه القراءات الحديثة تفتقر إلى منهج علمي واضح، وتعتمد بدلاً من ذلك على الانطباعات الشخصية والذوق الفردي والانتقائية في التفسير. وهنا تكمن المشكلة الأساسية، إذ يتحول القرآن من مرجع ينظم الأفكار إلى نص تتسلل إليه الأفكار المتباينة بلا ضوابط.

ومن أخطر نتائج هذا الاتجاه التشكيك في الشعائر الدينية كالصلاة والصيام والحج، بحجة أن الدين أسمى من أن يُحصر في “حركات” أو “طقوس جسدية”، وأن جوهره الحقيقي يكمن فقط في القيم والأخلاق والنقاء الروحي. إلا أن هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدين: هل جاء القرآن ليؤسس دينًا روحيًا مجردًا بلا ممارسة عملية؟ أم أنه قدم منظومة متكاملة تجمع بين الإيمان الروحي والالتزام السلوكي والتعبد العملي؟

القرآن يجيب عن هذا التساؤل بوضوح تام، إذ لا يفصل بين الروح والجسد ولا بين المعنى والممارسة، بل يجعل الشعائر الدينية جزءًا أساسيًا من بناء الإنسان وتنشئته وليس عبئًا عليه. فالشعائر ليست طقوساً فارغة بل أدوات للتربية والتزكية وتنظيم الحياة الاجتماعية. ويُبرز الخلل في بعض القراءات المعاصرة بعدم التفريق بين مستويين أساسيين في الخطاب القرآني: الأول يتعلق بالعلاقة بين الإنسان وربه ويتصل بالشعائر الدينية، والثاني يرتبط بالعلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان ويتعلق بالعدل والموازين والقيم الاجتماعية. وقد عبر القرآن عن هذا التوازن بدقة حين جمع بين مفهومي “الكتاب” و”الميزان”، حيث يعنى الأول ببناء الضمير الأخلاقي بينما يهتم الثاني بتنظيم المجتمع.

تكمن المشكلة حين يُلغى أحد هذين الجانبين باسم الآخر أو يُختزل الدين في جانب واحد دون الآخر. فبعض المتدبرين المعاصرين يرون أن القيم الإنسانية وحدها كافية لتجاوز الشعائر الدينية وكأن الصلاة والصيام تفقدان قيمتهما إذا لم تُفهم عقليًا وفق رؤيتهم الخاصة؛ وهذا يعد تحريفاً لمنطق القرآن وليس تجديداً له. والأسوأ من ذلك أن مثل هذه القراءات تخلق انطباعاً خاطئاً بأن كل فرد مخول بتفسير القرآن وفق ما يشاء دون التقيد بمنهج إلهي محدد، مما يحول التدبر إلى فوضى والاجتهاد إلى تفسيرات عشوائية.

وهنا يتضح سبب انتقاد بعض التراثيين لهذه الاتجاهات ليس لرجوعها إلى القرآن وإنما لعدم اعتمادها على منهجية سليمة ومنظمة لفهم النص القرآني؛ فالقرآن لا يُفهم بالنوايا أو الحماس وحدهما ولا بالرفض المطلق للتراث، بل بفهم متكامل يستند إلى مجموعة قواعد قرآنية دقيقة.

إن التدبر الحقيقي لا يعني فرض ما نريد قوله على النص وإنما السماح للقرآن بأن يعبر عما يريد قوله لنا؛ كما لا يعني تفريغ النص من مضمونه العملي بل إعادة اكتشاف حكمته العميقة. فالقرآن لم يأتِ ليُختزل في مشاعر روحية فقط أو حركات جسدية فحسب، بل جاء ليشكل إنساناً متوازناً يجمع بين الشعائر والعدل والسجود والسلوك والإيمان والعمل معاً. وبدون تحقيق هذا التوازن الشامل يتحول التدبر إلى تشويه للنص بدل أن يكون مصدر تجديد وإحياء فكري وروحي حقيقي.

 

اترك تعليقاً

Exit mobile version