المغرب: البعبع الأمازيغي الذي حير العثمانيين
عبد العزيز الخطابي
تتردد كلمات التاريخ في أذهاننا كأصداء الأمس، تحمل في طياتها قصصًا تستحق أن تُروى. وفي خضم هذه الحكايات، يظهر المغرب كحكاية فريدة تتجاوز حدود الزمن والاحتلال، وأسطورة تُثير إعجاب الدارسين وتفزع الغزاة. إن المغرب هو تلك الدولة التي تحصنت بجدرانها التاريخية أمام المد العثماني، لتصبح قوة لا يستهان بها.
في وقت كانت فيه معظم دول شمال إفريقيا تحت رحمة السلاطين العثمانيين، كان المغرب يلتف حول نفسه كالثعلب الماكر، مستغلاً تضاريسه الوعرة في جبال الأطلس وفي صحاريه الشاسعة. على ما يبدو، كان للمغاربة سر مكنهم من البقاء بعيدًا عن قبضة العثمانيين، حتى أن بعض المؤرخين قد يصفونهم بـ “البعبع” الذي يُخيف الأحلام الامبراطورية، إذ كيف لدولة أن تتجنب مصير إخوتها في المنطقة؟
ما يجعل المغرب مميزًا هو تلك الهوية الأمازيغية القوية المتجذرة في التربة، والتي ترفض الاستسلام للهيمنة. في هذا السياق، نرى كيف تتجسد الثقافة والتاريخ في كل زقاق وشارع، في الأسواق المليئة بالزخارف والمشغولات اليدوية، والأغاني الشعبية التي تُغني بها الأمهات لأطفالهن. إن الثقافة هنا ليست مجرد بقايا أثرية، بل روح تعيش وتتنفس، تعكس قوة الشعب وتحديه للظلم.
لكن، دعونا نعود لحظة إلى تلك الحقبة الغابرة. نشاهد جيشًا عثمانيًا قويًا، يرتدي جنوده الأزياء الفاخرة ويُدق الطبول في المناطق المحيطة بالمغرب. يظن هؤلاء أنهم على وشك تحقيق نصرٍ ساحق، لكنهم سيواجهون واقعًا أدهى وأمر. يتدفق المغاربة من الأرياف والقرى، مثل العرق يتدفق في العروق، ولديهم تصميم لا يمكن كسره. يأتي هؤلاء محملين بالتاريخ والأرض والكرامة.
تدور أحداث قصص المعارك مثل فيلم ملحمي، حيث يحقق الفلاحون الأمازيغ انتصاراتهم بأسلحتهم التقليدية، ليس لأنهم الأقوى، ولكن لأنهم يقاتلون من أجل شيء أعظم—من أجل وطنهم وهويتهم. النصر هنا ليس مجرد كلمة، بل هو الفعل القائم على الإرادة القوية.
يبدو أن المفارقة الكبرى تكمن في أن المغرب، الذي كان يُعتبر منسيًا من العثمانيين، أصبح مصدر الإلهام للدول المجاورة التي انتزعت استقلالها بعد قرون من الاستعمار. إن هذا الانتصار ليس فقط للمغاربة بل لكل من يؤمن بقوة الهوية والانتماء.
لقد حافظ المغرب على مكانته بلا أدنى شك، بل إن التحدي الذي واجهته الدولة العثمانية يحوم حوله تساؤل: هل كان من الصواب تجاهل هذه الدولة المعدومة أمام أعينهم؟ إن التاريخ لا يرحم، والأقوياء دائمًا ما يتعلمون من درس الفشل.
ففي النهاية، إذا نظرنا إلى المغرب اليوم، نجد أنه البعبع الذي يستمر في مفاجأتنا في كل جيل. وكما يقول المثل، “تاريخ اليوم هو أغنية الغد”، فإن المغرب يدون اسمه في صفحات التاريخ بمداد العزيمة والفخر. وأي مطمح يُقال عنه زائل سيظل باقياً طالما أن القلوب تحتفظ بهوية حقيقية، مهما حاولت القوى الكبرى طمسها.
لنبقَ في حالة استعداد دائم، فالمغرب ليس فقط دولة قوية بل هو رسالة، تحكي قصة تصارع تاريخي مع القوى الغاشمة. وفي زمن يتعاظم فيه الجشع، يظل البعبع الأمازيغي حالة فريدة من المقاومة والصمود، تستحق التأمل والاحترام.
