السنة الأمازيغية، احتفال بتراث هوية مهددة أم بمقدسات غائبة؟
عبد العزيز الخطابي
بين أمواج التاريخ المتلاطمة وصرخات الهوية التي تنادي بالاعتراف، يبرز الاحتفال بالسنة الأمازيغية، المعروف بـ”يناير”، كواحد من أبرز القضايا الثقافية والدينية في شمال إفريقيا. في كل عام، يحتشد الأمازيغ من جميع الجهات احتفالًا بتراثهم العريق، إذ يعود هذا التقليد إلى أكثر من 950 عامًا قبل الميلاد، عندما أُعلنت انتصارات الملك الأمازيغي شيشنق الأول على الملك المصري رمسيس الثالث. ومع ذلك، يبقى التساؤل قائمًا: هل يمثل “يناير” احتفالًا بالهوية الثقافية أم أنه تحدٍ لمقدسات دينية أساسية؟
تعيش شعوب الأمازيغ، التي تمتاز بتراث ثقافي عميق، في مجتمعات تتعدد فيها الثقافات والعقائد. وبينما تُعتبر السنتان الميلادية والهجرية جزءًا لا يتجزأ من حياة المسلمين، يُنظر إلى “يناير” كأمر مستنكر من قبل بعض التيارات الدينية. يأتي هذا الصراع مع قبول رسمي متزايد للاحتفال بالسنة الأمازيغية، حيث أقرَّت حكومات المغرب والجزائر أن يكون “يناير” عطلة وطنية، في خطوة تُظهر توجهًا نحو الاعتراف بالتنوع الثقافي.
الاحتفال بالسنة الأمازيغية يمثّل تجسيدًا للهوية، حيث يُعبر الأمازيغ من خلاله عن ارتباطهم بالأرض والزراعة. يعد “يناير” فرصة لتأكيد الانتماء، إذ تتضمن الاحتفالات طقوسًا مميزة، مثل إعداد أطباق تقليدية وارتداء الملابس الأمازيغية، بالإضافة إلى لقاءات عائلية تُعزز الروابط بين الأجيال.
لكن وسط هذه الصورة الزاهية، تظهر خيوط جدل ضبابية. ينقسم الرأي العام، فبينما يعتبر الكثيرون أنك يجب أن تتيح للثقافة الأمازيغية مجالاً للاحتفال، يُحذِّر البعض الآخر من أن هذا يُعتبر تقليدًا يتعارض مع العقيدة. يقول بعض العلماء إن ما يُحتفل به ليس فيه ما يتعارض مع التوحيد، بل يعكس في الحقيقة تنوع الشعوب الأصيلة في المنطقة.
في هذا الإطار، تُثار قضايا مهمة تتعلق بالتاريخ والهوية والحق في الاحتفال. إذا كان “يناير” يعد مناسبة ثقافية، ألا ينبغي اعتباره جزءًا من التنوع المؤثر في المجتمعات المسلمة؟ يحاجج مؤيدو الاحتفال بأن الاحتفال بالسنة الأمازيغية لا يتضمن طقوسًا أو شعائر قد تستدعي أي تفسيرات تتعلق بالشرك أو الوثنية، بل هو تجسيد للفرح وشكر النِعم.
وعلى الرغم من أن بعض الفقهاء جاوزوا ذلك وقالوا إن الاحتفالات تتضمن تقاليد يعتبرونها وثنية، فإن النقاش يبقى مفتوحًا حول طبيعة محتوى الاحتفالات وما تُسهم به في تعزيز الروابط الثقافية والاجتماعية. هل يُعطي الاعتراف الرسمي للسنة الأمازيغية شرعية للاحتفال بها، أم يمهد الطريق لصراعات مستقبلية بين الهوية الثقافية والدين؟
لا يمكن تجاهل أن الاحتفال بالسنة الأمازيغية يُعتبر رمزًا للاعتزاز بالتراث الأمازيغي، ويُسهم في تعزيز الفهم والتسامح بين مختلف المجتمعات. فتاريخ الأمازيغ لا يقتصر على أرقام في التقويم، بل هو جزء لا يتجزأ من تاريخ شمال إفريقيا، والذي يجسد التنوع الفكري والثقافي.
في الختام، يبدو أن الاحتفال بالسنة الأمازيغية لا يزال مسألة شائكة. هل يحق للأمازيغ الفخر بجذورهم والاحتفال بتقاليدهم، أم يجب عليهم التخلي عنها أمام مقاومات دينية؟ إن الجواب قد لا يكون نهائيًا، لكن الحوار والتفاهم بين مختلف الجهات سيكونان مفتاحًا لتحقيق الوحدة في التنوع. لا بد من إعادة النظر في العلاقات بين الثقافة والدين، لتجسيد مجتمع يحتفل بتنوعه ويستمر في سعيه نحو فهم أعمق للهوية التي تشكل أساس وجوده.
