القصة المؤلمة لسن لومومبا الذهبية: ذاكرة الاستعمار وجراح الماضي .
في عام 1999، كانت الكاميرات تسلط الضوء على مشهدٍ مثيرٍ للجدل، حين كشف بلجيكي يدعى إتيان دافينيون عن سن لومومبا المطلية بالذهب خلال مشاركته في فيلم وثائقي. بدت تلك اللحظة كصدمة لكثيرين، فهي لم تكن مجرد قطعة ذهبية، بل كانت رمزًا لتاريخٍ مظلمٍ من الاستغلال والمعاناة. أشعل هذا الفعل ردود أفعال متباينة، حيث اعتبرت تلك السن تذكارًا صادمًا من حقبة استعمارية مضت، تكتنفها ذكريات الألم التي عاشتها الكونغو تحت وطأة الاستعمار البلجيكي.
توفي دافينيون في عام 2000، ورثت عنه سن لومومبا ابنته غوديليف، التي لم تتوانى عن عرضها على وسائل الإعلام البلجيكية في عام 2016، مُعيدةً للأذهان ما اعتُبر استغلالًا فادحًا لذاكرة والدها ولكل ما يمثله من وضعٍ مخالفٍ للإنسانية. تفاعل المجتمع الدولي مع هذا الحدث بحساسية كبيرة، حاملًا في طياته مطالبات بالاعتذار واستعادة الحقوق، مما أدى إلى مصادرة السلطات البلجيكية للسن.
مع الاعتراف المتزايد بمرور الزمن، بدأت التحولات السياسية تُسجل. في عام 2002، أعرب الملك فيليب عن “أسفه العميق” للانتهاكات التي تعرضت لها الكونغو، وأكد رئيس الوزراء ألكسندر دي كرو على “المسؤولية الأخلاقية” لبلجيكا في مقتل لومومبا. جاء هذا الاعتراف ضمن حفل رسمي أقيم في بروكسل، حيث تمت إعادة السن بشكل رمزي، مما سلط الضوء على سعي بلجيكا لإصلاح ما يمكن إصلاحه.
بعد سنوات من الضياع في تعقيدات العلاقة بين المستعمر والمستعمَر، دفنت السن الذهبية في ضريح بكنشاسا، عاصمة الكونغو الديمقراطية، في الذكرى 62 لاستقلال البلاد. كانت تلك اللحظة ملحمةً سياسيةً تحمل في طياتها طموح الأمة للشفاء من جراح الماضي، ورغبةً في إعادة التواصل مع هويتها الوطنية.
ومع ذلك، تظل القضايا المتعلقة بالاستعمار قائمة. فقد سعى المدعون العامون في بلجيكا عام 2025 إلى محاكمة إتيان دافينيون، الدبلوماسي السابق الذي يُعتبر آخر مشتبه به في القضية. بينما حددت جلسة الاستماع في 20 يناير 2026، يبقى السؤال عالقًا: هل ستستطيع العدالة أن تلامس جراح الماضي، أم ستكون مجرد محاولة أخرى لتبييض الصفحات المظلمة؟
تتجلى آثار فلسفة باتريس لومومبا في القومية الكونغولية والوحدة الإفريقية، مؤكدًا على حق الشعوب في تقرير مصيرها. كان لومومبا رمزًا للرغبة في التحرر والسيادة على الموارد، مدافعًا عن القيم الإفريقية الأصيلة ضد الأيديولوجيات المستوردة. بالرغم من اغتياله، تحولت أفكاره إلى نبراس يضيء الطريق للأجيال القادمة، محذرًا من تكرار الأخطاء التاريخية وضرورة التصالح مع الهوية.
ويبقى أبناء لومومبا، وعلى رأسهم ابنه جاي باتريس، مشدَّدين على عدم الثقة في السياسيين الذين يحاولون استغلال إرث والدهم لتحقيق مصالحهم الشخصية. هذه المواقف تعكس حالة من عدم اليقين والثقة المتضائلة التي تعيشها شعوب الكونغو، والتي عانت على مر السنوات من الفوضى والتمردات.
إن سن لومومبا الذهبية ليست مجرد تذكار غامض، بل هي عنوان لمعركة من أجل الاعتراف والعدل، تجسد الأمل والتحرر في وجه قساوة الماضي. تمثل تاريخًا معقدًا يتطلب شجاعة الاعتراف بمظالم الاستعمار، وإرادة قوية لمواجهة المستقبل بآمال جديدة ومسؤولية جماعية. وبذلك، تظل قصة سن لومومبا الذهبية حكاية حب وعذاب وعودة إلى الذات، تذكرنا جميعًا بأن ماضي الاستعمار ليس مجرد جزء من التاريخ، بل هو قضية حية تتطلب التفاعل والمسؤولية من الجميع.
عبد العزيز الخطابي
