نحو رؤية مستقبلية فلسفية لدولة طموحة

عبد العزيز الخطابي
في عالم يتزايد فيه التعقيد، تصبح الحاجة إلى رؤية مستقبلية فلسفية للدولة أكثر إلحاحًا. إن بناء مثل هذه الرؤية يتطلب فهماً عميقاً لطبيعة الدولة وأهدافها الجوهرية، مثل تحقيق العدالة والحرية والسعادة لأفراد المجتمع. في قلب هذه الفلسفة يُطرح السؤال: ما هو الدور الحقيقي للمواطن في مجتمع يعاني من تحديات الاستبداد والطغيان؟
من الضروري أن نسأل عن الغايات التي تسعى إليها الدولة. إذا كانت هذه الغايات هي تحقيق السعادة الحقيقية لشعبها، فإن ذلك يتطلب أكثر من مجرد وجود مؤسسات بيروقراطية. لابد من تجسيد قيم العدالة والحرية، حتى يتسنى لكل فرد أن يشعر بكرامته وحقه في المشاركة. يجب أن تكون مشروعية السلطة متجذرة في قيم العقد الاجتماعي، الذي يؤكد على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بعيداً عن استخدام القوة كوسيلة للسيطرة والقمع.
تتجلى أهمية دور المواطن عندما يكون فاعلاً، وليس مجرد متلقٍ للقرارات. فالمواطنة الفعالة تعني المشاركة النشطة في الحياة السياسية، ما يسهم في بناء وعي مجتمعي يدرك الترابط بين السعادة الفردية والمصير الجماعي. عندما يُتح بل المواطن الحرية الكاملة للتعبير والمشاركة، فإن ذلك يعزز من قوة الدولة ومصداقيتها، ويحول دون هيمنة الأنظمة الاستبدادية.
كما أن تصميم هياكل الحكم العقلانية يتطلب اتباع مبدأ فصل السلط، الذي يضمن توازن القوى ويمنع تشدد السلطة في قبضتها. إن القوانين التي تحكم عمل السلطات يجب أن تُستخدم لتحقيق مصالح الشعب، وليس لإدامة الحكم. وفي هذا السياق، تلعب آليات المساءلة دوراً أساسياً، حيث تُعتبر الأجساد الرقابية الطريقة المثلى لضمان عدم انحراف الدولة عن مسارها. إن الحديث عن رقابة فعالة يعني توفير فضاء لأصوات الناس وحقوقهم، وضرورة التوقف عن اتخاذ القرارات العفوية التي تؤثر سلبًا على حياة المواطنين.
ليس فقط تعزيز دور المواطن كفيل بإرساء أسس الدولة العادلة؛ بل إن دمج الدراسات المستقبلية يعتبر خطوة استراتيجية تُساعد في فهم السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تواجه الدولة. إن استشراف المستقبل من خلال دراسة السيناريوهات المتنوعة وتقديرها يسهم في توجيه السياسات والقرارات الكبرى نحو الاتجاه الصحيح. هذا النوع من التفكير المستقبلي يمكن أن يعين الحكومات على تجنب الأخطاء الماضية، ويمنح المجتمع الأدوات اللازمة للتكيف مع المتغيرات العالمية.
في عالم يتطور بوتيرة متسارعة، يجب على الدول الاهتمام بالعولمة وتحدياتها، والعمل على تبني رؤية منفتحة تتعاون مع المفكرين والمبدعين في العالم، فتهاجم التحديات مثل التغير المناخي والتنمية المستدامة دون إغفال الجوانب الثقافية والاقتصادية. الأبعاد الكونية المعقدة تحتم علينا أن نتجاوز المصالح الشخصية الضيقة إلى رؤية شاملة تعزز من التضامن الإنساني، حيث تسود قيم التعاون والتنمية المتوازنة.
في النهاية، إن مشروع بناء رؤية مستقبلية فلسفية لدولة طموحة يتطلب شجاعة عقلانية وقدرة على تجاوز العقبات. يتوجب على الجميع، من قادة إلى مواطنين، أن يعملوا معاً لصياغة قيم جديدة تسعى لرفاهية الفرد والمجتمع، وتكون قادرة على مواجهة التحديات الكونية. إن الرؤية المبنية على أسس فلسفية صلبة لا تسعى فقط للنجاح المؤقت، بل تسعى لبناء مجتمع إنساني يحقق الكرامة والحرية لكل فرد.