14, فبراير 2026

a24-ليلى خزيمة

 

نمط من القول الشعري الشفهي المنشد باللهجة العامية المغربية. ولد بمدينتي سجلماسة وتافيلالت، لينمو ويترعرع بمراكش وفاس ومكناس وسلا. يقول ابن خلدون أن فن الملحون ظهر لأول مرة في العهد الموحدي خلال القرن السابع الهجري/ الثاني عشر ميلادي، ليصبح رافدا أساسيا من روافد الذاكرة الفنية المغربية. فن شعبي تتوارثه العائلات أبا عن جد، ويجتمع عشاقه في جلسات خاصة للاستمتاع بكلماته الرصينة وإنشاده الموزون.ففي كتاب معلمة المغرب، للجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 1989،يقول المؤرخون أن: «ظهور البواكير الأولى من الشعر الملحون بالمغرب ترجع إلى العهد الموحدي في القرن 12، وذلك من خلال بعض ما نظمه شعراء مغاربة كابن غرلة والسلطان عبد المؤمن الموحدي وأخته رميلة وابن خبازة وابن حسون وآخرين في العهد المريني.» من أمثال الكفيف الزرهوني ومولاي الشاد وعبد الله بن حساين. ليصبح بعد ذلك جزء لا يتجزأ من الهوية المغربية، وتاريخه حافل بأسماء من الشعراء والعازفين والمنشدين الذين تركوا بصمتهم فيه وخلفوا إرثا فنيا غنيا للأجيال اللاحقةويوثق لنمط العيش.

أما عن تسميته، فيقول المؤرخ الراحل محمد الفاسي: «إنهم اشتقوا هذا اللفظ من التلحين، بمعنى أن الأصل في هذا الشعر الملحون أن ينظم ليتغنى به قبل كل شيء». واللحن في الكلام يعني «الفصاحة والبراعة في تنظيم الكلمات مع الحجة والتنغيم، ويقال أن معنى لحون العرب “طريقتهم في الكلام”، والتلحين هو الشجى وحسن الصوت والتأليف الموسيقي». وفن الملحون جمع كل هذه المعاني التي ذكرت في المعاجم العربية وذلك لأن شعراء الملحون يقدرونه لدرجة أنهم يطلقون عليه اسم “الكلام” و “علم الموهبة”. فهو شعر شفهي له حفّاظ ينشدون ما يبدعه الشعراء من قصائد، وقد يكون للشاعر راوٍ أو أكثر يختص بنشر إبداعه. وللتمييز بين الشاعر والراوي، فإن أهل الملحون فرّقوا بينهم وأعطوا لكل صفة. فالأول يسمى “شيخ النْظَام” والثاني “شيخ النشاد”. وقد منح مشايخ فن الملحون كما سبق الذكر تسميات أخرى له تعبر عن خاصيته ومكانته مثل: “الموهوب” و”السْجية” و”الشعر” و”النظم أو النظَام” و”القريض” و”لوْزان” و”اللغا” و”العلم الرقيق” و”الكريحة” بتعجيم الكاف، و”الكلام”.

تطور فن الملحون

نشأ فن الملحون منذ أكثر من ستة قرون في عهد الدولة الموحدية، ليتطور في عصر الدولة السعدية. فقد شهد هذا التراث الشفهي تطورا على مستوى الأوزان والبحور والأغراض في العهد السعدي على يد المغراوي والمصمودي، ليبلغ نهضته في العصر العلوي، وخاصة في عهد السلطان محمد الثالث. فتحولت أشكاله من نظام “المبيت” الذي يقوم على البيت، إلى “مكسور الجناح”، الذي تتكون قصيدته من عدة أقسام، ثم إلى “المشتب”ف”السوسي” الذي تتوزع فيه القصيدة إلى عدة أقسام وأشطر. يقول الباحث عبد المجيد فنيش: «أن الملحون لم يتوقف مطلقا. نتحدث عن عهد يسمى بعهد الازدهار والرقي وهو المتجلي في الحقبة ما بين القرن 17 و18، وقد تم إحصاء أكثر من ألفي شاعر للملحون المغربي مع شعراء آخرين مغمورين. فهذا فن وأدب ارتبط بالحياة اليومية المغربية، سنجد أشعاره تردد في المآتم والأفراح». وبالرغم من أنها تجربة إبداعية شعبية يشكل الحرفيون المغاربة فيها القاعدة الواسعة، إنتاجا وإلقاء، إلا أن قصائد الملحون زاخرة بالرموز والإيحاءات. إيقاعاته ومواويل تعبر عما يخالج الإنسان من مشاعر.

أقساموعناصر القصيدة في فن الملحون

يقول نورالدين الشماس رئيس رابطة فناني الملحون بالمغرب: «إن الملحون فن مغربي أصيل، تمسك به أهل المغرب خلال ستة قرون تقريبا، وورثوه لجيل بعد جيل كما هو منذ ابتكره الأجداد الأوائل، بنفس القواعد الضابطة في الغناء والانتقال بين المقامات والوصلات، وأيضا ضوابط الأداء والتعبير من الكلام والنغم وحركات الأداء، دون التأثر بأي لون من ألوان الموسيقى الذي عرفه المغرب فيما بعد. وبقي الملحون فنا تراثيا يحاكي حياة الناس ومشاكلهم اليومية حتى الآن.» فالقصيدة تنطوي على آليات الحكي والحوار والوصف والتشخيص وما هو رمزي إيحائي لتنفتح على أفق خيال المبدع. وتنقسم القصيدة في فن الملحون إلى خمسة أجزاء:

السرابة: وهي المقدمة. قطعة صغيرة من النظم موحدة الموضوع لها وزنها الخاص تبتدئ بها القصيدة الطويلة.

الدخول: وهو الشطر الاستهلالي بالقسم من دون عجز

الحربة: وهي الجزء الذي ينشده مجموعة المغنين والعازفين الذين يطلق عليهم اسم “الشداشة”. وهي تقوم مقام اللازمة في الأغنية العصرية تستهل بها القصيدة ويعاد إنشادها بعد كل فترة أي جزء من القصيدة.

الأقسام: وهي الأبيات التي يتم غناؤها. وتتكون كل قصيدة من 4 إلى 10 منه وتصل إلى 50 في قصائد الغزوات. والقسم يتكون من بيتين فأكثر ويختلف تكوينه في البحر الذي كتب فيه.

الدريدكة: وهي الجزء المتعلق بختام القصيدة، وإنشاد هذا الجزء يكون على إيقاع سريع. تعبر عن الفرحة التي تغمر المنشد والمتلقي لنهاية القصة أو القصيدة دون مشاكل.

أما العناصر المكونة للمجموعة المنشدة للقصيدة فهم:

شيخ الشجية: وهو الشاعر الذي ينظم كلمات القصيدة حسب أوزان موجودة سابقا أو أوزان يبتكرها بنفسه، لكن كلها في العموم أوزان تدخل ضمن حدود الأوزان الرئيسية وهم: المبيت، مكسور الجناح، الذكر،المشتب، السوسي الذي يعتمد بيتين عموديين يعقبهما كلام مرسل لا يخضع لوزن ولا قافية كما هو الشأن في قصائد الحراز.

شيخ الكريحة: هو الشخص الذي يغني القصيدة بصوته بعد أن يتمكن منها ويحفظها جيدا ويتقنها.

صحبة الجوق: هو الشخص الذي يعزف على الآلات المغربية الأصيلة، مثل السويسن، الكف، الدف، الكمان، الطعريجة، العود وغيرهم.

الكورال: هم مجموعة الأشخاص الذين يرددون الكلمات وراء المغني ويُعينوه على الأداء.

أغراض فن الملحون

إن اللغة التي تكتب بها قصائد الملحون ليست لغة عامية سطحية، بل هي لغة راقية تدخل فيها كلمات فصيحة تُنطق بالأسلوب العامي. وقد نَظَم في الملحون بسطاء الناس من أميين وحرفيين وصناع تقليديين كما الأمراء والفقهاء والسلاطين. وكان يكتسي فن الملحون في بداياته الطابع الديني وفق ما أوضحه الدكتور عباس الجيراري. ليأخذ مظاهر أخرى بعد ذلك. لدى فالأغراض في فن الملحون متنوعة ومتفرعة. فالمديح النبوي مثلا، يشمل وحده ألوانا من الموضوعات أو الأغراض منها: الخلوق والوفاة والمعراج والمرسولوالمرحول والحمام والورشان والغزوات والتصلية، وتتعداها إلى ماذلك. وشعر الهجاء الذي تندرج ضمنه قصائد ما يسمى ب “الدعى” والمطموس والمهرازوالبغاز والقرصان وأيضا الخصام وغيرها. وقد حصرها أحد شيوخ هذا الفن الحاج أحمد سهوم في عشرة هي: التوسلات الإلهية والمديح النبوي والوصايا الدينية والاجتماعية والربيعيات والعشاقي والترجمة والأعراض والهجاء والرثاء. أما على مستوى الأداء، فيقول الجيراريأن الملحون كان في البداية مجرد سرد في الزوايا والمساجد، ثم أخذ يعتمد على ضبط الإيقاع باليد أو ما يسمى “التوساد”. وبعد ذلك اعتمد آلة “الطعريجة” ثم تأثر بـ”الآلة”. فاتسع نطاق استعمال الآلات الموسيقية فيهكما نطاق أغراضه ليشمل الطبيعة و الغزل. ويرجع تاريخ أقدم القصائد في الملحون التي تتغنى بالطبيعة إلى القرن العاشر الهجري وجاء فيها:

الورد والزهر وأغصانو وأشجار باسقا وأطيار

ايسبحوا لنعم الغني والما فقلب كل اغدير

 

فن الملحون بنون النسوة

ظل فن الملحون لقرون طويلة حكرا على الرجال، يتغنون به كنوع من التعبد الروحي أو في تجارتهم وترحالهم وصناعتهم وأعراسهم وحفلاتهم. فكان الرجل مصدر تلحين هذه الأغاني والخروج بها إلى العلن. حتى أصبح يشكل وثيقة تاريخية دقيقة ترصد وتوثق مظاهر الحياة اليومية ونظام عيش المغاربة وطرق تغنيهم بالحب والعشق والصداقة والتعبد. ليتجدد فن الملحون عبر القرون بإدخال مختلف الآلات الموسيقية والإيقاعات. لكن، ليست الآلة فقط هي ما يجدد الملحون، بل إن بعض الأصوات النسائية سحرت هذه القصائد وسافرت بها إلى عوالم تفتن الروح. ومن بين الرائدات في هذا المجال الفنانة زهرة الفاسية التي نشطت في فن الملحون في عشرينيات القرن الماضي. أما المعاصرات، فكثيرات هن اللواتي أبدعن في هذا الموروث الثقافي الأصيل مثل ماجدة اليحياوي وحياة بوخريص وسناء مرحاتي وغيرهن. ومنهن من أوصلته إلى العالمية.

فمن كان يتصور أن يصبح الملحون في ضيافة الموسيقى الروسية على يد الموسيقي الكبير سيمون ناباتوف. تحققت هذه الحداثة الموسيقية لغناء الملحون في تجربة المبدعة ثريا الحضراوي في ثنائية متفردة مع ناباتوف. فثريا الحضراويليست مجرد مغنية، بل كاتبة ومطربة منخرطة في تحديث هذا الفن منذ نهاية السبعينيات وسافرت ألبوماتها الغنائية منذ بداية تسعينيات القرن العشرين صوب آفاق عالمية.

بعض أعلام فن الملحون

أكد الباحث عز الدين المعتصم: «أن أكاديمية المملكة المغربية نشرت العديد من الدواوين الشعرية لشعراء متميزين… ومن شأن هذه الدواوين وغيرها من القصائد الملحونة، أن توضح الصورة العامة والخاصة عن التراث الشفهي المغربي، لأنها تفتح الأبواب أمام الظواهر الأدبية التي تحتاج إلى دراسة وتحليل.». ومن بين أعلام فن الملحون على سبيل الذكر لا الحصر نجد: سيدي عمر اليوسفي والجيلالي امتيرد وسيدي قدور العلمي وعبد العزيز المغراوي ومحمد بن علي العمراني وسيدي محمد بن علي ولد أرزين والتهامي المدغري وأحمد الكندوز وأحمد الغرابلي والحاج إدريس بن علي لحنش والسلطان مولاي عبد الحفيظ ومحمد بن علي المسفيويالدمناتي وأحمد سهوم والحاج الحسين التولالي والحاج محمد بوزوبع وجمال الدين بنحدو وغيرهم.

تعاقبت السنين والقرون، ولم ينهزم فن الملحون أو يستسلم لعولمة الفنون وبقي شامخا يفتخر بهويته وأصله. فهو كما يقول الفنان سعيد المفتاحي، الملقب بسفير الملحون:« مازال موجودا في المغرب بفضل تمسك الفنانين به وبقواعده وأصوله وحرصهم على عدم تأثره بأي من المستجدات والتطورات الفنية في المغرب والعالم، وقمنا بالجهود الذاتية بتأسيس روابط وجمعيات لدعم الفنانين وتأمينهم قدر الإمكان، ونبحث بالتنسيق مع وزارة الثقافة المغربية سبل دعم فن الملحون على المستوى الجماهيري وإعادته إلى سيرته الأولى كفن شعبي أصيل يعتز ويفتخر به كل مغربي، كما نسعى أيضا لإنشاء معاهد لتعليم فن الملحون في مدن تطوان ومراكش والعيون، ليكونوا إضافة إلى المعهدين الموجودين حاليا في فاس ومكناس لنشر فن الملحون بين الأجيال الجديدة. »

يبقى فن الملحون كما يقول أحمد التستاوتي في الباب الخامس من نزهة الناظر وبهجة الغصن الناضر: «الباب الخامس في ذكر ملحونات مثل نغمات الأوتار، تطرب الأرواح، وتحرك الأشباح، وتلبس القلوب ملابس الانكسار». وخير دليل على ذلك قصيدة “التوسل” لسيدي قدور العلمي والتي مطلعها:

يا الواجد بالصرخا عن ضيقت الحال

جل مولانا عن شبه المثال عالـــي

غيثني يتفجى كربي نلوح لهـــوال

خاطري يتهنا قلبي يعود سالـــي

لين يركن من بارتلوا جميع لحيــال

عاد منزل ديوانو بلكدار مالـــي

ادخيلك يا سيدي بالأنبياء والارسال

ادخيلك يا سيدي بجاه كل والــي

ادخيلك بالسدات الصالحين لفضـال

ولقطاب ولجراس وساير البدالـــي.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

Exit mobile version