المنعطف- ليلى خزيمة
منذ أربعينيات القرن الماضي، خرج إلى الوجود فن جديد يحاكي ثقافة أهل منطقة درعة تافيلالت ويعبر عن البيئة الاجتماعية للمنطقة، أطلق عليه الرواد اسم فن البلدي. فن يتغنى بآلام وبأفراح شباب وساكنة المنطقة. ديوان شعر يروي تجاربهم الحياتية ويفضي بما في وجدانهم ويترجم رؤيتهم للعالم. اعتبره البعض مزيجا ما بين فن الملحون الفيلالي وفن العيطة. لكن عبر فن البلدي عن نفسه بكلمات وقاموس لغوي متفرد هو خلاصة شعر شعبي وزجل محلي مصوغ بمكونات وخصوصية أهل تافيلالت.
يقول البعض بأن تسمية البلدي هي صفة أُريد بها تمييز هذا النوع من الغناء عنما كان يعرف ب”الرومي”. أي كل الألوان الغنائية التي نشأت وازدهرت خارج البلد. وكان أهل المنطقة يسمونه كذلك ب “الدك لقديم” (بوضع ثلاث نقاط على حرف الكاف). يقول عنه لجريدة المنعطف السيد رشيد عيادي المدير الفني ورئيس جمعية الصباح للفن والثقافة: «نشأ فن البلدي في منطقة درعة تافيلالت وقبائل عرب الصباح زيز وعرب الصباح غريس. عكس وعبر هذا الفن عن مميزات ثقافة المجتمع الفيلالي. عبر عن ظواهر وتجليات الانسان الفيلالي من أفراح ومناسبات اجتماعية كالأعراس وغيرها وذلك انطلاقا من الكلمات والأشعار الزجلية الشعبية واللفظ الخاص بالفيلاليين.» أما الباحث إدريس بن البوعزاوي فيقول عن هذا الفن الأصيل أنه «وسيلة تعبيرية محلية مكنت سكان هذه المنطقة من التعبير عن انشغالاتهم ومشاكلهم وأفراحهم وأحزانهم ورؤيتهم البسيطة التي لم تكن تخلو من حكمة وفلسفة خاصة بهم في هذه الحياة.»
التركيبة الشعرية لفن البلدي
فن البلدي هو تركيبة شفهية تتناقلها الأجيال فيما بينها. فن يؤرخ لتراث وتاريخ وجغرافيا درعة تافيلالت. لفن البلدي جمل موسيقية بسيطة. قصائده من طينة السهل الممتنع. يعتمد النظم في أشعار فن البلدي على جملة لحنية معينة تنسج على منوالها كلمات باقي النص تسمى الحبة. سجع هذه الأبيات بسيط كبساطة أهل المنطقة، تفصل بين هذه الأبيات ما يسمى باللازمة. كلمات الأغنية في فن البلدي لحظية. تعتمد على الأحداث الآنية. تنسج على السجية دون تصنع أو تكلف. فتبوح بما يدور في خوالج المبدع من آلام وأفراح واستغاثة بالعلي القدير وعشق وما إلى ذلك. فن البلدي معجم لغوي ينهل من محيط أهل تافيلالت. نصوصه الشعرية شعبية تنتمي لفن الزجل. يغنى هذا الأخير بلهجة محلية مستوحاة من الثقافة العربية، إلا أن شكلها الشعري يختلف عن الشكل الشعري العروضي الكلاسيكي من حيث اللغة المستعملة وهي الدارجة الفيلالية ومن حيث البنيات النحوية. أما أغراض النصوص الشعرية المغناة في فن البلدي فهي رسائل شفهية تعبر عن هموم وأفراح الانسان الفيلالي بتلقائية وعفوية تتناغم مع محيطه. تنسج القصيدة على مقامات مختلفة حسب المناسبة وموسيقى الكلمات مثل مقام الحجازالمدغري و العجم والنهاوند والبياتي والرستوالسيكا. يقول الأستاذ إدريس بن البوعزاوي في كتابه مدخل إلى فن البلدي: « إن الألحان، في “فن البلدي”، في معظمها، بسيطة تنطق بلسان الفطرة والبساطة التي تميز ساكنة منطقة تافيلالت عموما. واللحن، في مجمله، لا يتعدى، في الغالب، ثلاث أو أربع جمل موسيقية. فهناك جملة أو جملتان تكونان بمثابة “حربة” الأغنية أو لازمتها، ثم جملة إلى جملتين في “الحبات” أو “الرميات”.». أما بخصوص الايقاعات فتنحصر في مجموعتين كبيرتين أولهما إيقاع بلدي 4/4 بتشكيلاته المختلفة والتي تفسح المجال لإضافة نوتة أو إزالتها على السلم الموسيقي أو تغيير قيمتها الزمنية. وثانيهما إيقاع شعبي 8/6 بمستوياته المتنوعة. إيقاع آلات تدغدغ براعة العزف عليها مشاعر المتلقي الذي سرعان ما يجد نفسه مسافرا عبر النغمات وراقصا بشكل أو بآخر.
أما الأنغام أو المقامات، فترتبط ارتباطا وثيقا بالآلة المستعملة. إذ أن «بعض الفنانين يستعملون آلة “السنيترة” أو الماندولين، مما كان يفرض عليهم التعامل مع بعض المقامات الموسيقية دون غيرها… نشير إلى أن هناك اختلاف بسيط بين الجرف وأرفود والراشيدية من حيث الشكل أما المواضيع والتعابير فهي واحدة منذ القدم. يغلب عليها طابع الخفة وإدخال الفرجة ويكون مصحوبا في بعض الأحيان بالرقص سواء الفردي أو الجماعي. ولا يقتصر على الرجال بل هو نسوي كذلك» كما يوضح لجريدة المنعطف السيد رشيد عيادي.
أنماط الفن البلدي
يقول رشيد عيادي بأن: «فن البلدي هو شكل أساسي من أنماط التعبير التي تعكس الثقافة بتافيلالت بصفة عامة من حيث ألوانه الفنية والإيقاعية. هذا الفن أنواع. هناك العيطة البلدية لمنطقة مدغرة وهناك النكاديوالميسوريو المزوكي بمنطقة الجرف. أما ذروة فن البلدي فهو المايا.»
العيطة الفيلالية: نوع من العيطة المغربية الخاصة بمنطقة درعة تافيلالت وتسمى كذلك بالعيطة البلدية أو الجرفية. هي أهازيج وأشعار باللهجة الفيلالية تصف صبر الإبل وشموخ الخيل والفرسان وتُمجد صفات الشجاعة والإقدام لنساء ورجال المنطقة في مواجهة المستعمر. أشعارها رسائل مشفرة تنطوي على جمالية وإيقاعات وأنغام متنوعة تصل إلى حد الخمسة. مثل العيطة البيضا أو كما يطلق عليها كذلك الحريمية وكذلك عيطة العين التي تبتدئ بموال تصاحبه تقاسيم واستهلالات بطيئة، فمتأنية ثم سريعة نوعا ما.
المايا: وصلة موسيقية سريعة الإيقاع، حيث يتوقف الغناء ويستمر العزف بآلة أو آلتين تتحاوران بجمل موسيقية تتخللها الإهداءات والإكراميات أو ما يسمى ب التبريحة. ويمكن أن تتخلل المايا بشكل ناذر بعض المواويل. تخصص الماياللرقص حيث تتناغم الحركات تبعا للإيقاع الذي تزيد سرعته بشكل تدريجي وصولا إلى الختم. وذروته هو الرقص الخاص “بالصينية والكيسان”أو ما يعرف برقص المحترفين الرجال المتنكرين في زي النساء كتعويض عن غياب المرأة. فقرة لها شعبية كبيرة رغم بساطتها وتخلق ما يتوخاه المولعون من الفرجة.
الرقص في فن البلدي
إن المجتمع الواحي مجتمع محافظ، يمنع الاختلاط ما بين الرجال والنساء. فكل ينتشي ويرقص في جهته وعلى طريقته. وللرقص في فن البلدي دلالات رمزية متعددة. حركات يقوم بها الرجل كما المرأة لكن حسب العادات والتقاليد والمهام المنوطة بكل واحد منهما. فالراقص والراقصة يتحركون مرفوعي الرأس بدلال ورفعة كما هي حركة الإبل عند السير. ويقومون بحركات تمثيلية تحاكي حياتهم والوظائف التي يقومون بها يوميا من أعمال زراعية كطريقة شد المحراث التقليدي أثناء الحرث وطريقة نثر وزرع البذور وكيفية فتح السواقي الطينية للماء بالمعول والحصاد بالمنجل وطريقة الغمرة ونفض الثمار من الأشجار وكنس الأرض بسعف النخيل وطريقة غزل الصوف عند النساء وطريقة صياح المزارعين لتخويف الطيور والتصفيق المسترسل المصحوب بالزغاريد وكذا الصياح على الطرائد في مخابئها أو ما يسمى “بالتحياح“. أما الرقص ب”الصينية والكيسان” فهو تعبير عن الترحيب وحسن الضيافة والكرم وجودة الشراب الواحي الشاي.
الآلات الموسيقية واللباس في فن البلدي
في البدايات، كان فن البلدي يعتمد آلات موسيقية بسيطة مستلهمة من بساطة وعفوية سكان منطقة تافيلالت. آلات تطورت وأُدخلت عليها أخرى متجددة. فمنها الإيقاعية والوترية والنفخيةوالنقرية. كل هذه الآلات تختزل وعي الإنسان الفيلالي والقيمة الثقافية التي تميزه وكذلك تاريخ هذا المجتمع وخصوصيته.
الآلات الوترية: الوتار، العود والسنترية وهي آلة موسيقية وترية قديمة وتقليدية تصنع أساسا من الحطب ووبر الجمل وأوثارها الثلاثةتصنع من أمعاء الماعز.
الآلات النفخية: العواد أو الناي والكصبة بتعجيم الكاف بنوعيها الأحادية والثنائية.
الآلات الايقاعية: الطارةأو البندير، الطبل، الصينية والكؤوس المصاحبة لها، الطعريجةأو الكلال بتعجيم الكاف.
هذا عن الآلات الموسيقية. أما ما يرتديه فنانوا فن البلدي، فهو زي تقليدي مغربي يتكون عند الرجال من جلباب ودراعية وجبادور وبلغة وعمامة يضعونها على الرأس.وقد عرف رائد الفن البلدي المرحوم محمد باعوت بوضع حزام ناحية الذراع على شكل “الشمار” مشيرا بذلكإلى الجد في العمل. كذلك الحال بالنسبة للنساء. فهن يتجملن بقفاطين مغربية تقليدية من “التكشيطة” و “الدفينة” و”السبنية” و “الملحفة” و”الشال”.
أما عن عدد الأفراد داخل فن البلدي، فهو غير قار يتراوح ما بين الفرد الواحد إلى عشرات العازفين والمغنيين، فهو فن على السجية وحلاوته في العفوية والتلقائية. وهو سخي وكريم كأهل البلد. يبدأ بالواحد وينتهي بالمجموعة.
رواد وأعلام فن البلدي
لا يمكن لفظ عبارة فن البلدي دون ذكر اسم المرحومين محمد باعوتو مولاي علي بلمصباح. من أبرز من أسسوا لهذا التراث الشعبي العتيد. رائدين تركا بصمات واضحة على هذا الفن على مستوى الإبداع والكلمات والألحان وأيضا على مستوى الآلات.إبداعات لا تدع للمتمعن فيها مجالا للشك على أن« الحصول على وسام الريادة لا يأتي بحب الظهور وخرق قواعد السلوك في اللباس والكلمات والحركات، بل يولد من رحم التواضع والمحافظة والالتزام بالقيم المتعارف عليها داخل المجتمع». بالإضافة الى هذين العلمين نجدكذلك حدا البرجي والهاشمي النحاس وعروب وولد علو. دون أن ننسى حملة المشعل مثل الشريف الحمري، ومولود الكاوي، وميح، بالإضافة إلى مجموعة من الفنانين الذين جاهدوا واجتهدوا في الحفاظ على هذا التراث الموسيقي العريق كالفنان مولود المسكاوي، المرحوم عبد الرحمان الخاضر، محمد جلولي، والمرحوم محمد رجدالي والمرحوم عبد القادر ماماضو، بيش، يوسف بوري، ومصطفى العنان صاحب صرخة “فين الفن البلدي”. وغيرهم ممن أبدعوا وتفانوا في الحفاظ على هذا الموروث الثقافي الاصيل.
وللنسائي حضور قوي في فن البلدي يتجلى من خلال الفنانة عائشة الزكوط، التي تعتبر مثالا حيا يبرهن على أن فن البلدي لم يكن محصورا على الرجال فقط، بل للنساء نصيبهن أيضا من هذا الموروث الثقافي ليس عبر صيغة الرقص أو التصفيق على إيقاع الآلات فحسب، بل من خلال تكوين مجموعات وفرق نسوية تنشط بشكل خاص في المناسبات الاجتماعية.
النسخة الأولى من مهرجان الفن البلدي
يقول رشيد عيادي: «لا بد أن نشير إلى أن هذا الفن يعتبر من خصوصيات منطقة تافيلالت وصنف تراثا وطنيا بالايسيسكو لأنه يمثل نمطا حضاريا مشرقا». هذا النمط الحضاري وجب الاعتناء به وترسيخه في ذاكرة الشباب من خلال المحافل والاحتفالات. فبدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل سيتم تنظيم النسخة الأولى من مهرجان فن البلدي خلال الأيام الأولى التي تلي عيد الأضحى المبارك لهذا العام. بهذا الخصوص يقول السيد رشيد عيادي مدير المهرجان لجريدة المنعطف: «تشرفت باختياري للقيامبمهام إدارة المهرجان الوطني الأول لفن البلدي من طرف وزارة الشباب والثقافة والتواصل. وقد قمنا بتمهيد لهذا المهرجان من خلال احتفاليات مهرجان مصغر لفائدة الأطفال. وكانت دولة تونس ضيف شرف هذه المناسبة.» بادرة ستُعرف أكثر بهذا الموروث الثقافي وستحميه من الإهمال والتهميش اللذين عانى منهما لمدة طويلة.
