a24- عبد الرحيم باريج
خلدت القوات المسلحة الملكية والأمة المغربية جمعاء، بافتخار وإكبار، الذكرى 67 لتأسيس القوات المسلحة الملكية. هذه الذكرى التي ترسخ الإنجاز العظيم والعمل الرائد لجلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، محرر البلاد، الذي وضع الأسس المتينة التي يقوم عليها جيشنا الوطني، ورسم المناهج القويمة، التي يجب أن يسير عليها، جاعلاً منه جيشاً من الشعب وإلى الشعب، يصون سيادة الوطن، ويحمي وحدته الترابية، ويكون على أهبة الاستعداد، للدفاع عن المقدسات وحرمتها، بكل بسالة وثبات.
وهذا ما عبر عنه، وبجلاء، صاحب الجلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، وهو يزف بشرى الاستقلال لأمته، معتبراً القوات المسلحة الملكية أول مؤسسة وطنية، ورمزا من رموز السيادة، حيث جاء في قوله المولوي السامي: “في يوم هذا العيد المبارك، الذي هو أول عيد تلوح بشائره على المغرب المستقل، يسرنا أن نثلج صدرك بنبإ تأسيس جيش وطني، تشرف عليه قيادة مغربية صرفة، تعمل تحت أمرنا، وترسم له خططه وأهدافه (…)، مظهر من مظاهر السيادة، ورمز من رموز العزة (…). هذا هو جيش وطنك الحر، وقطب دائرة استقلاله الثابت، وشارة عزه، وحارس ترابه ووحدته، فسيكون في خدمتك، ساهراً على راحتك وسلامتك، دائماً على أهبة لدرء الأخطار عنك (…)”.
صمود راسخ ضد استهداف الوحدة الترابية للمملكة وسيادتها الوطنية
شهدت مختلف ولايات وأقاليم وعمالات المملكة، الأحد المنصرم تنظيم احتفالات وأنشطة بمناسبة تخليد الذكرى 67 لتأسيس القوات المسلحة الملكية، حيث خلالها استعراض التشكيلات العسكرية ووحدات القوات المسلحة الملكية وأداء تحية العلم، وتلاوة الأمر اليومي الذي وجهه الملك محمد السادس القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية للضباط وضباط الصف والجنود، وتوشيح صدور عدد من الضباط وضباط الصف والجنود بأوسمة ملكية من مختلف الفئات. وشكل الاحتفال، مناسبة للشعب المغربي قاطبة لاستحضار المهنية العالية لهذه القوات ومدى تضحياتها وبسالتها وسهرها في الدفاع عن حوزة الوطن ووحدته الترابية، وكذا إشعاع أدوارها الاجتماعية. واستحضار بصيرة جلالة المغفور له محمد الخامس الذي سارع إلى تزويد المغرب، بعيد حصول المملكة على استقلالها، بجيش مهني، واستحضار حرص جلالة المغفور له الحسن الثاني على تحديث تنظيم القوات المسلحة الملكية وتعزيز تسليحها، وكذا إرادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس على تطوير قدراتها وتعزيز مواردها البشرية لتواكب التطور التكنولوجي والعلمي بالعالم.
وستظل ذكرى 14 ماي من كل عام مناسبة متجددة لاستحضار، بكل فخر واعتزاز، أعمال ومنجزات القوات المسلحة الملكية، راعية أولى الثوابت، وعلى رأسها الدفاع عن حوزة الوطن ومكتسباته، والوقوف سدا منيعا ضد كل الأخطار المحدقة به من خلال تضحية جنود بواسل يعملون بكل تفان ونكران للذات في صمود راسخ ضد كل ما من شأنه استهداف الوحدة الترابية للمملكة وسيادتها الوطنية.
تظل القوات المسلحة الملكية حاجزا منيعا تتكسر دونه كل الطموحات الخارجية، تضطلع بمهامها بنجاعة ومهنية عالية انطلاقا من عقيدتها العسكرية الحصيفة المتمثلة في حماية السيادة المغربية والحفاظ على المؤسسات الشرعية والدفاع عن الوحدة الترابية. وتعد ذكرى التأسيس مناسبة لاسترجاع أزيد من نصف قرن من المهام النبيلة التي أحدثت لأجلها القوات المسلحة الملكية، سواء في الدفاع عن الوطن والمساهمة في بناء المغرب الحديث في مرحلة ما بعد الاستقلال، أو المهام الإنسانية وعمليات حفظ السلام في عدة مناطق من العالم. فقد دافعت القوات المسلحة الملكية، من خلال تضحياتها التي لا تحصى، عن الوطن وحولت المخططات الشيطانية الموجهة لزعزعة استقرار المملكة والإضرار بوحدتها الترابية إلى كوابيس.
وشكل تأسيس القوات المسلحة الملكية (14 ماي 1956) إحدى أبرز المحطات التاريخية التي عرفها بناء الدولة المغربية الحديثة بعد الاستقلال، حيث حملت هذه القوات، كمؤسسة وطنية، على عاتقها مهمة الدفاع عن مقومات الأمة المغربية ومقدساتها وسيادتها الوطنية وهويتها الدينية والثقافية والحضارية، وذلك وفاء منها لشعار “الله، الوطن، الملك”.
وكان أول ورش اهتمّ به جلالة الملك محمد السادس بعيد وصوله إلى الحكم عام 1999، وهو ورش إصلاح الجيش، سواء على مستوى العقيدة والإستراتيجية، أو على مستوى تحديث العتاد والاهتمام بأفراد القوات المسلحة الملكية. ويمكن للمغرب الآن، وبعد مرور 67 عاما على إنشاء القوات المسلحة أنْ يفخر بوجود جيش مهني محترف يشكل قوة ضاربة لردع كل المخاطر والتحديات التي تواجه المملكة في شمال إفريقيا أو خارجها، ومعروف أن عدداً من مراكز الدراسات الكندية والروسية باتت تعترفُ بقوة وصلابة الجيش المغربي. وأصبحت الدفاعات الجوية والبحرية والبرية قوة إقليمية بمستوى العديد من القوات الأوروبية، إذ إنّ المناورات التي أجرتها القوات المسلحة منذ أعوام ولازالت مع جيوش غربية متقدمة أظهرت أن الجيش الملكي المغربي بجميع قطاعاته أضحى يسيطر على التكنولوجيا الحديثة ويتمتع بقراءة دقيقة للوضع. وأضحت القوات المسلحة الملكية في هذه المرحلة من تطوره يتلاحم مع تاريخيه القديم، والمغاربة يمثلون جيشاً حربياً، وهذا التلاحم بين الماضي والحاضر يجعل من الجيش مفخرة لكل المغاربة، والمنهج الذي اتّبعه جلالة الملك لتأهيلِ الجيش على مستوى التكوين العسكري والاهتمام بتشبيب هذه المؤسسة الحساسة للدفاع عن الوطن جعل القوات المسلحة تشهدُ تطوراً على جميع الأصعدة.
انخراط إنساني ونكران الذات والتفاني من أجل مثل السلم والتسامح
برهنت القوات المسلحة الملكية، على مر تاريخ المغرب الحديث، سواء خلال زلزال أكادير عام 1960 وعملية تافيلالت عام 1957 وزلزال الحسيمة وضواحيها في فبراير 2004 وفيضانات بعض المناطق بالمملكة، عن قدرة لوجستية وتنظيمية كبيرة ساعدت على تقديم كل أنواع الإغاثة والدعم للمنكوبين، فضلا عن التعاون والتجاوب مع جميع المصالح والمؤسسات المعنية في هذا المجال.
وأقامت القوات المسلحة الملكية في إطار انخراطها في العمل الإنساني وتقديم يد العون لساكنة المناطق النائية خاصة في المجال الطبي، عدة مستشفيات ميدانية عسكرية في مناطق نائية بالمملكة، في إطار المهام الإنسانية التي تضطلع بها هذه المؤسسة العتيدة، في عدد من جهات المغرب، بهدف توفير خدمات طبية للقرب للمواطنين والرفع من وتيرة استفادة الفئات الهشة من خدمات طبية ذات جودة وتسهيل الولوج للعلاجات وتقديم الدعم للسكان الذين يعانون من قساوة الطقس ووعورة التضاريس.
وفضلا عن الدور بالغ الأهمية الذي تضطلع به القوات المسلحة الملكية، على مستوى العديد من واجهات العمل الوطني، فإنها ظلت تحظى بمكانة بارزة سواء على الصعيد الإفريقي أو العربي والدولي. فقد تم إيفاد أول تجريدة مغربية إلى جمهورية الكونغو في عام 1960، مرورا بالجولان وسيناء خلال الحرب العربية الإسرائيلية، وعملها في البوسنة وكوسوفو، والعمليات الإنسانية في الكونغو الديمقراطية، وكوت ديفوار، وصولا إلى العاصمة الكونغولية (برازافيل)، حيث أقام المغرب في مارس 2012 مستشفى عسكريا ميدانيا بتعليمات ملكية سامية، في إطار المساعدات العاجلة التي أرسلتها المملكة على إثر الانفجارات التي هزت مستودعا للذخيرة بهذه المدينة، وخلفت مئات القتلى والجرحى. وساهمت في يناير 2010، في الجهود الدولية لنقل المساعدات الإنسانية المستعجلة لضحايا زلزال هايتي الذي أودى بحياة الآلاف.
وسيرا على نهج المملكة في التعاطف مع الشعوب الشقيقة في محنتها، أقامت القوات المسلحة الملكية مستشفى عسكريا مغربيا متعدد الاختصاصات بمدينة جرجيس بالجنوب التونسي لفائدة اللاجئين النازحين من ليبيا، حيث قدم هذا المستشفى إسعافات ضرورية لآلاف المرضى وخدمات ووصفات طبية لعشرات الآلاف من النازحين الليبيين والتونسيين ومن جنسيات مختلفة.
ووجدت المهام النبيلة للقوات المسلحة الملكية صدى لها داخل أروقة الأمم المتحدة بنيويورك، حيث أقيم، في شتنبر 2011، معرض للصور يؤرخ لنصف قرن من انخراط هذه القوات لفائدة حفظ السلام في العالم. وأبرز هذا المعرض، بالصورة والصوت، مساهمة تجريدات مغربية بمشاركة المنظمة الأممية لفائدة قيم السلم والأمن، وكذا عمل المملكة من أجل القضايا الإنسانية في مناطق مختلفة من بقاع الأرض.
جهود لاستقبال وايواء اللاجئين السوريين
وشكل إعطاء جلالة الملك محمد السادس تعليماته السامية لإقامة مستشفى ميداني في مخيم الزعتري عام 2012 من قبل القوات المسلحة الملكية، لمساعدة الأردن في جهوده لاستقبال وإيواء اللاجئين السوريين، محطة بارزة لتأكيد تضامن المغرب مع الشعب السوري الشقيق في محنته الإنسانية. وقدم هذا المستشفى المغربي، الذي يضم عددا كبيرا من الأطر الطبية وشبه الطبية، آلاف الخدمات الطبية لفائدة اللاجئين السوريين بالأردن.
وسارعت القوات المسلحة الملكية في غزة، غداة الحرب الإسرائيلية على القطاع عام 2008، إلى نصب مستشفى ميداني بالمدينة أقامته، بتعليمات ملكية سامية، وهو المستشفى الذي وفر خلال مدة اشتغاله خدمات طبية متنوعة لفائدة الفلسطينيين. وأعطى جلالة الملك محمد السادس تعليماته السامية في عام 2013، من أجل إقامة مستشفى عسكري ميداني في باماكو، عاصمة جمهورية مالي، وذلك تجسيدا للتضامن الفعال للمملكة إزاء البلدان الإفريقية الشقيقة، وخاصة مع مالي التي تربطها بالمغرب علاقات عريقة ومتميزة. وأقام المغرب، في مارس 2016، مستشفى عسكريا طبيا – جراحيا بغينيا كوناكري، وذلك في إطار علاقات الصداقة والأخوة العريقة والتضامن التي تجمع بين الشعبين المغربي والغيني.
وللحفاظ على الملاحم التاريخية التي سجلتها القوات المسلحة الملكية وتلقينها للأجيال المقبلة، تم إحداث اللجنة المغربية للتاريخ العسكري (ماي 2000) للاضطلاع بحماية التراث العسكري وتطوير البحث العلمي في هذا المجال.
وواصلت التجريدات العسكرية المغربية الاضطلاع بمهامها في إطار هذه العمليات بكل من الكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى، دون إغفال الجهود الموصولة التي بذلتها أطقم المستشفى الميداني العسكري في الزعتري بالأردن لفائدة اللاجئين السوريين، والمستشفى الميداني الطبي-الجراحي العسكري ببيروت لفائدة ضحايا انفجار ميناء المدينة في 4 يوليوز 2020.
وسيظل عام 2021 شاهدا على المهنية العالية للتجريدات التابعة للقوات المسلحة الملكية، حيث تم توشيح حوالي 752 من عناصر القبعات الزرق التابعين لتجريدة القوات المسلحة الملكية في “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى” (مينوسكا)، وثلاثة ملاحظين عسكريين بميداليات الأمم المتحدة، وذلك لمساهمتهم في عودة السلام إلى هذا البلد.
وسيظل عام 2020 شاهدا أيضا، على المهنية العالية للقوات المسلحة الملكية، التي سطرت ملحمة جديدة من ملاحم التصدي لأعداء الوحدة الترابية للمملكة وصون أمن الوطن، من خلال تدخلها الاحترافي لوضع حد لاستفزازات مليشيات مرتزقة “البوليساريو” في المنطقة العازلة بالكركرات وتأمين حركة السير عبر معبر الكركارات، بعد أسابيع من الإغلاق. ومكن هذا التدخل العسكري، الذي تم بطريقة سلمية ودون احتكاك أو تهديد لأمن المدنيين، تنفيذا لتعليمات جلالة الملك، من إعادة حركية التنقل التجاري والمدني بمعبر الكركرات الذي يربط المغرب بموريتانيا، بعد أن أجبرت القوات المسلحة الملكية عناصر الميليشيات على الفرار دون تسجيل أية أضرار بشرية. وشكل تحرك القوات المسلحة الملكية موضع إشادة إعلامية وطنية ودولية واسعة، اعتبارا لدوره في إعادة استتباب الأمن بالمنطقة ودرء المخاطر التي كانت تشكلها مرتزقة البوليساريو.
وأكد فريق عمل جنوب أوروبا التابع للجيش الأمريكي في إفريقيا، أن المغرب سيكون أحد الدول المضيفة للأسد الإفريقي 2023، وهو أكبر تدريب عسكري في القارة. وشدد موقع القيادة الأمريكية في إفريقيا على أن الأسد الإفريقي من المقرر أن ينطلق في الفترة من 15 ماي إلى 18 يوليوز في المغرب وجيبوتي وغانا والسنغال وتونس. ويوفر التمرين السنوي فرصا لا مثيل لها للمشاركة والتعاون في القارة الإفريقية، تؤكد القيادة الأمريكية في إفريقيا التي أضافت أن المغرب يمثل محطة أساسية في المناورات العسكرية المشتركة مع الدول الإفريقية. وسيتم الرفع من القوات المشاركة في المناورات في هذه النسخة الى 10 آلاف جندي، وسيتم تنظيم المناورات الرئيسية في المغرب كما العادة، وستجري التمارين الفرعية في السنغال غانا جيبوتي وتونس.
