نجيب أبو ملهم / موسى عبود
إذ نحاول إلقاء نظرة خاطفة، عجلى، على ماضي الادب الاسباني، لابد من أن نتساءل : ما هي المكانة التي يحتلها هذا الأدب بين الآداب الأخرى ؟ من هم أفذاذه وعمالقته ؟ ما هي أعمالهم ؟ أين يتجلى تأثيرهم في الآداب العالمية؟، ثم –أخيرا- كيف انحدر هذا الأدبي من القمة إلى السفح، فغدا فقيرا بعد غني، وضعيفا بعد قوي؟.
إن ماضي الأدب الاسباني، خلال القرنين، السادس عشر والسابع عشر، ليحتضن بين صفحاته أسماء وأعمالا، أشرقت وتألقت، وذاع صيتها ذيوعا قليل النظر، وطارت شهرتها مطارا نادر القرين. فإلى جانب هذه الأسماء :
أ) مكيل دي سرفانتس Miguel de Cervantes (1548-1616)، الذي اجتاز عتبة الخلود برائعته : (رضوان كيخوطي دي لامانتا Don Quijote de la Mancha التي وصفها بعض النقاد بأنها مشحونة بقوة الروح العربية، وتحدث عنها اللورد بيرون فقال : لدي لذة قراءة الكيخوطي في لغته تضمحل باقي اللذات، ووصف يعضهم صاحبها بأنه “انتزع هوميروس وشكسبير كل ما دفن في صدر الفن الرحب من نثر وشعر ومسرح”.
ب) لوبي دي فيكا Lope de Vega (1562-1635)، ويتحدث عنه مؤرخ الأدب الاسباني بأنه بعد أخصب كتابه على الإطلاق، وهو نفسه، يقول بأنه في سنة وفاته كان قد كتب نحوا من ثمانمائة وألف مسرحية، ومن أشهرها (نجمة اشبيلية) La estrella de Sevilla وسيد المدو El caballero de Olmedo والمحبة الكتوم La discreta enamorada وغيرها.
ج) فرنسيسكو دي كيبدو Francisco de Quevedo (1580-1645) وهو يقف على الذروة بجانب سرفانتس في تاريخ الأدب الاسباني، ومن أشهر تواليفه كتاب : الأحلام Los Suenos وقد وصفه احد النقاد بأنه آية باهرة من آيات أدب اسبانيا الكلاسيكي.
د) طيرسو دي مولينا Tino de Molina (1584-1648)، كتب عددا ضخما من المسرحيات، ضاع
أغلبها، ومن اشهر ما بقي منها : (مخادع اشبيلية) ولم يكن طيرمو مسرحيا فقط El burlador de Sevilla بل كان على جانب ذلك ناثرا ممتازا، خلف آثارا رائعة في الوصف والتاريخ.
هـ) كالدروت لاباركاCalderon de la Barca (1600-1681)، ويصفه النقاد بأنه أحسن ممثل لمسرح (Barroco) في اسبانيا، وقد كتب زهاء مائتي مسرحية، أشهرها : (عربة السماء) El carrodel cielo (واكبر وحش) El mayor monstruo و(قائد ثلميا) El alcale de Zalamea (الحياة حلم)La vida es sueno وقد تحدث عنه الناقد رامون دي ميكيل، فقال (أن الشاعر المسرحي الذي أحس الفكرة القومية أدق إحساس، والذي كانت ملهمته التاريخية والأدبية أن كشف في كتبه عن روح الشعب الاسباني في عصر ازدهار آدابه).
و) خوان رويث دي الأركون Juan Ruiz de Alarcon (1581-1639)، ويقول عنه النقاد بأنه يعد أول مبتدع للرواية الخلقية التي ازدهرت، بعده، عند المسرحيين الفرنسيين، وتحدث عنه رامون دي كمكيل فقال بأنه يعنى في مسرحياته بالجانب المعنوي من الحياة، وبقراءة أثرية : (الصدف الشكوك) و(الجدران تسمع) يتأكد لدينا ذلك، فالأولى ضد الكذب، والثانية ضد الغيبة والنميمة.
نعم، إلى جانب هذه الأسماء والأعمال التي تمثل عبقرية اسبانيا في الأدب والمسرح، وتبرزها ممتازة، فذة، عظيمة، هنالك أسماء أخرى ظفرت، هي الأخرى، بشهرة واسعة النطاق مثل : خوان ديل انثينا الذي يعد المرصص الأول للمسرح الاسباني، وفرناندو دي روخاس الذي قال النقاد عن مسرحيته : الراهبة La celestina (أنها تعتبر عتبة للقرن الذهبي في الأدب الاسباني) ووصفوه بأنه المكتشف للمنبع الذي تدفق منه لمسرح الاسباني وأعمال سرفانتس. وممن اشتهروا أيضا : المركيز ولويس دي كونكورة وبريث دي اليفا وفرانسيسكو دي فيالو بوس وردريكس بادروت وبريث دي كوثمان.)
ولقد المحنا فيما تقدم، إلى أن الأدب الاسباني كان، خلال عصره الذهبي، من القوة والعمق بحيث استطاع أن يترك طابعه في الآداب العالمية، فأين يمكن التماس ذلك الطابع ؟ يذكر الباحثون أن أغلب كتب المسرح الفرنسي، تنحلوا –بشكل وقح- المؤلفين المسرحيين الأسبان، ومما يؤكد ذلك ما يقوله الأدب الفرنسي وكتابه أنفسهم، فهذا واحد منهم يقول : (إن مسرحنا الزاخر بالأساطير القاحلة وجد في بعض الأحيان في كالدرون دي لاباركا، وفي لوبي دي فيكا، وخاصة في رويث دي الركون وطيريو دب مولينا ومن جاء بعدهم كتابا فطاحل عالجوا العادات)، وهذا الكاتب الفرنسي الشهير فولتير Voltaire يعترف بالتأثير الاسباني في المسرح الفرنسي إذ يقول بأن فرنسا تدين لاسبانيا بأول تراجيديا وبأول كوميديا أيضا أنشأها كتابها.
ولعل أكثر الكتاب المسرحيين الفرنسيين تأثرا بالمسرح الاسباني، هو موليير( Molière 1622-1673) فلقد تعقب بعض الدارسين لتطور النشاط المسرحي في الآداب العالمية أعمال موليير المسرحية فلاحظوا أنه تنحل مسرحيات لكاتب المسرح الاسباني الخالد اوبي دي فيكا، منها : مسرحية (المحبة الكتومLa discreta enamorada)، ومسرحية (كلب البستاني) El perro del hortelano، ومسرحية (أكبر مستحيل) El mayor imposible، كما تنحل مسرحية من مسرحيات الكاتب الكبير طيرسو دي مولينا.
ويذهب جون جوفظ إلى القول بان موليير كتب مسرحية شديدة التشابه بمسرحية (الاستخفاف) Desolen للكاتب الاسباني اكوسطين مورطو Agustin Moreto (1618-1669)، وعنون مسرحيته (الأميرة اليدي) La princesa Elide وقد ترجمت مسرحيته (الاستخفاف) للإيطالية بعنوان : (الأميرة الفيلسوفة La princesa filosofa).
ولسنا نريد أن يفهم مما تقدم ان موليير كان هو الكاتب المسرحي الوحيد الذي تأثر بالمسرح الاسباني، فهناك كتاب آخرون لم يملكوا بعد إطلاعهم على ذلك المسرح، إلا أن يعجلوا بروعته وعمقه، فحاولوا تقليده والنسج على منواله، ففولتير الذي يعد أول مؤلف مسرحي فرنسي خرج يتلقى تصفيقات الجماهير ويرد على هتافها كان، كما يؤكد جان جوفط في كتابه : المسرح وتاريخه El tearro y su historia يقلد فيما كتب وانشأ من أدب مسرحي الكاتب الاسباني رويث دي الأركون، وكورنييل Corneille في كثير من مسرحياته –كما يلاحظ كثير من النقاد- يبدو مقلدا للمسرحي الاسباني كيلين دي كاسطرو Guillen de Castro
(1569-1631) ولوبي دي فيكا وريث الاركون، وكذلك راسانط Rarant، فهو في إحدى مسرحياته يبدو متأثرا بمسرحية من مسرحيات اكوسطين مورطو، وأما هاردي Hardy، فإن أغلب مسرحياته استقاها من المسرح الاسباني.
وإذا كان التأثير الاسباني قد بدأ لنا، مما تقدم واضحا، جليا، في أشهر المسرحيين الفرنسيين، فإن مؤرخي المسرح قد أكدوا ذلك التأثير في كثير من المسرحيين الإيطاليين والإنجليزيين، وعلى رأسهم ويليام شكسبير(11) William Shakespeare (1564-1616) الذي يعد بحق المنشئ الأول للمسرح الإنجليزي.
وكل الذين تصدوا بالكتابة عن تاريخ المسرح الاسباني، يؤكدون بان هؤلاء الكتاب المسرحيين الاسبان: ماطوس فراكوسو، وانطونيو مولين، وخوان دي لاهوس، وخيمنيس دي انثيوا، وانطونيو(12) هورطاردو دي مندوثا وهو مسن نسج على منوالهم موليير، ولويس دي بلمونطي، وكثيرا غيرهم، استطاعوا أن يلتقوا إليهم الأنظار خارج حدود اسبانيا، وكانت مسرحياتهمـ وفي مقدمتها مسرحيات كالدرون، تمثل على خشبات أعظم المسارح الأجنبية يومئذ.
وللدلالة على مدى الانتشار والديوع ظفر به الأدب المسرحي الاسباني في عصره الذهبي، نورد هذه العبارة للأستاذ الناقد جان جوفط : (في سنة 1630 كانت مسارح لندن تقدم درامات اسبانية، وفي فرنسا، وايطاليا، وألمانيا. وفي أوربا قاطبة. كان المسرح الاسباني موضع عناية وتقدير في ذلك القرن).
ويذهب كثير من النقاد إلى القول بان اسبانيا تقاسم انجلترا شرف السبق على إيجاد المسرح القومي، وان عصرها الذهبي في تاريخ الدب يقارن بالعصر الاليزابثي في تاريخ الدب الإنجليزي وعصر لويس الرابع عشر في تاريخ الدب الفرنسي.
ولقد ظل الدب الاسباني يؤثر تأثيره العميق، البعيد، في الآداب العالمية حتى القرن الثامن عشر، حيث ظهر فيكتور هوجو Victor Hugo (1802-1885)، الكاتب الفرنسي الشهير، الذي حمل بريق الرومنطيقية الاسبانية إلى الربوع الفرنسية.
على انه بعد السام المشرقة، الباهرة، التي عاشتها الآداب الاسبانية القرنين : السادس عشر والسابع عشر، عصفت بها دوامة من الانحطاط والانتكاس قبيل القرن الثامن عشر، فتقهقر المسرح إلى الوراء، وقسط في ثياب رثة بالة، ونطب معين الشعر والنثر، وأصابهما من الركود والتفاهة والضعف ما أعدمهما ثراء صورهما وغناء اخيلتهما، وهكذا انحدرت الآداب الاسبانية من القمة إلى السفح، فذبلت بعد تفتح وإشراق، وأضفت بعد قوة وسلطان، وأصبحت مجرد تقليد أعمى للقوالب الفرنسية.
وكانت اسبانيا، يومئذ، تعود القهقري، ولا نتقدم إلى الأمام، فلقد تكومت على نفسها وحلالها العيش في عزلة شبه تامة عن كل بلدان أوربا، ولعل انعزال اسبانيا وزهدها في اللحاق بركب الحضارة التي كانت بعض بلدان أوربا كفرنسا وانجلترا تسير في مقدمته، لعل ذلك هو الذي حدا بكاتب فرنسي إلى ان يرسل كلمته المشهورة : (إن افريقيا تبتدئ من جبال البرانس(13)
عن مقدمة كتاب“سرفانتس أمير الأدب الإسباني” لنجيب أبو ملهم وموسى عبود
نقلا عن مجلة دعوة الحق
