a24-عبد الرحيم باريج
يشترك المغرب مع إفريقيا في العديد من القواسم المشتركة، كالدين والطبيعة الاقتصادية والبشرية والطبيعية والحضارة، وهو ما يجعل من سياسة التعاون بين الجانبين أمرا ملحا ويخدم مصلحة الطرفين.
وتعتمد إستراتيجية الملك محمد السادس حسب رئيس مجلس جهة الشرق على تنويع الشراكات وعدم الإرتهان إلى جهة واحدة، أي الشركاء التقليديين، بل جعل من العودة إلى الإتحاد الإفريقي وتطوير اقتصادات الدول الإفريقية ووقف نهب ثرواتها أولى الأولويات؛ وفي نفس الوقت العمل على تحويل المغرب إلى قوة إقليمية ومركز تجاري ومالي ومنصة للإستثمارات.
وأكد عبد النبي بعوي، في كلمة خلال افتتاح أشغال الدورة الأولى لمنتدى جهات إفريقيا، الذي نظمته جمعية جهات المغرب تحت شعار “مساهمة الجهات في التنمية المستدامة ودينامية الاندماج على المستوى الإفريقي”، أن هذا المنتدى يشكل مناسبة للتأكيد على حقوق الجهات الإفريقية في الحياة الرغيدة والتعليم الرشيد والسكن اللائق، مبرزا أن الأمر يتطلب التحرك في إطار الوحدة والتضامن والتكافل والتكامل. وأضاف أنه أمام آثار جائحة “كورونا” والأزمة الاقتصادية وأزمة المناخ وتصاعد هجرة الشباب والأدمغة واتساع فجوة الثورة التكنولوجية، ليس هناك طريق للخلاص إلا من خلال تحقيق أهداف التنمية المستدامة والادماج واستثمار الثروات الافريقية لصالح الأفارقة قبل غيرهم.
وسجل بعوي من جهة أخرى، أن جهة الشرق جعلت من التعاون اللامركزي والاقتصاد التضامني والاجتماعي والتدريب الترابي للموارد البشرية، محورا أساسيا في تحركاتها اتجاه الجهات الافريقية وأصبحت تتوفر على تجربة رائدة يمكن الاستفادة منها. وأشار، في هذا الصدد، إلى مجموعة من الاتفاقيات التي وقعتها الجهة مع بعض الجهات الافريقية، والتي شملت محاور مختلفة تتعلق بقطاع الاقتصاد التضامني والاجتماعي والتدريب الترابي وتوفير المنح الدراسية لفائدة الطلبة المنحدرين من هذه الجهات لاستكمال دراستهم وتكوينهم بمختلف مؤسسات ومدارس التعليم العالي التابعة لجامعة محمد الأول بوجدة إلى جانب مراكز التكوين المهني. وأضاف أن هذه الدينامية تعززت بالمبادرات التي اتخذتها مختلف جهات المملكة مع مثيلاتها في البلدان الإفريقية الصديقة في إطار منهجية التعاون اللامركزي، مشيرا إلى أن هذه التجربة عرفت زخما كبيرا في ضوء إحداث الصندوق الإفريقي لدعم التعاون اللامركزي للجماعات الترابية من طرف المديرية العامة للجماعات الترابية التابعة لوزارة الداخلية، والتي كان من نتائجها تمويل وإنجاز مشاريع مختلفة بشراكة مع الجماعات الترابية.
جهود لم تكن لتروق فرنسا التي أدركت المنافسة الحقيقية التي يشكلها المغرب لمصالحها، الأمر جعلها تلجأ إلى أساليب الابتزاز التي لم يعد المغرب يأبه بها. وهذا ما صرح به ألان جوبي الوزير الأول الفرنسي الأسبق للتلفزة الفرنسية (تيفي5) “على فرنسا أن تنمّي علاقات شراكة متكافئة مع القارة الإفريقية التي ستساهم في تحقيق انتظارات الشباب الإفريقي الذين فضلوا الاستقرار والعيش والعمل في بلدانهم. هذا هو ما ينبغي تحقيقه، وإذا لم نفعله ستفعله الصين والأتراك والمغاربة الذين يتغلغلون تدريجيا في إفريقيا”.
ونفس الأمر قاله لودفيك إيمانولي رئيس منظمة “السلام الاستكشافي” لقناة (آرتي فرنسا) “فرنسا يتم استبدالها اليوم بالصين وتركيا والمغرب الذي يستثمر في الدول الفرنكوفونية ويقوم بأشياء غير عادية تماما. فالمغرب هو منافس قوي جدا بالنسبة لفرنسا. وسترون المغرب، قريبا، سيكون قوة إفريقية خارقة تربطها اتفاقيات خاصة مع الدول الفرنكوفونية. سنتكلم حينها كيف حصل وكيف لأحد حلفائنا أن يصير منافسا لنا. ينبغي أن نكون على وعي بهذا وكيف سنتصرف مع هذه القضية، علما أن المغاربة أقوياء جدا وهم أصدقاء”. لقد أضحت إفريقيا تشكل أولوية قصوى بالنسبة للقوى الدولية الكبرى اعتبارا لما تزخر به من مؤهلات بشرية شابة وموارد طبيعية غنية.
علاقة المغرب الروحية والدينية والهوياتية مع إفريقيا
تعود علاقة المغرب الروحية والدينية والهوياتية مع إفريقيا إلى قرون، فرغم قربه من أوروبا وتميزه بتمازج الهوية الأمازيغية والأندلسية والعربية، إلا أن الهوية الإفريقية حاضرة دائما. حيث تضل القارة الإفريقية الفضاء الطبيعي الذي يحدد الطبيعة الجغرافية للمغرب. وتمتد علاقة المغرب مع جنوب الصحراء منذ قرون خلت، وعرفت تبادل سفراء وممثلي دول وهدايا وهبات وتبادلات اقتصادية، وخاصة في عهد المرابطين والموحدين والسعديين والذين امتد حكمهم إلى إفريقيا الغربية كما هو الشأن في عهد المنصور الذهبي. و في عهد العلويين استمرت العلاقات بين المغرب وبقية الدول الإفريقية، بل وانتعشت مع انتشار التصوف وتأثير الزوايا على العديد من الدول الإفريقية وازدياد أتباعها ومريديها هناك.
وظل البعد الديني الروحي حاضرا في العلاقات المغربية/الإفريقية، بمساندة امتداد تأثير العديد من الزوايا التي انتشرت فروعها بالعديد من الدول الإفريقية، وخاصة الزاوية القادرية والتيجانية، بالإضافة إلى انتشار المذهب السني المالكي الذي يتبناه المغرب والمعروف عنه الوسطية والاعتدال، وسيادة قيم التسامح والانفتاح على الآخر، ما ساعد أيضا في انتشاره بالعديد من دول غرب افريقيا، ولا زال إلى اليوم يعتبر المغرب مرجعا دينيا للأفارقة.
وكرست هذه الروابط الزيارات الأخيرة والمتتالية لملك البلاد والذي يعتبره العديد من المتصوفة الأفارقة أميرا للمؤمنين ومرجعا دينيا وزعيما روحيا لأنه من سلالة النبي محمد صل الله عليه وسلم، وعلى هذا الأساس تم بالمغرب وبرعاية ملكية تكوين العديد من الأئمة الأفارقة (مالي وغينيا كوناكري وساحل العاج والسنغال وتشاد ونيجيريا) وترميم وإصلاح عدد من المساجد والمدارس القرءانية، وطبع وتوزيع نسخ من القرءان الكريم. كما تم تقديم منح لطلبة قادمين من دول إفريقية مختلفة قصد متابعة تكوينهم في مختلف الجامعات المغربية بما فيها الأكاديميات العسكرية، بالإضافة إلى أنه جرت العادة على توجيه دعوات دائمة للعلماء والفقهاء الأفارقة للحضور والمشاركة في الدروس الدينية التي ينظمها الملك كل عام خلال شهر رمضان والمعروفة بالدروس الحسنية.
وارتكز المغرب على هذا النفوذ والحظوة الدينية عند الأفارقة وأصبح يعتمد عليها في تحسين علاقاته الدبلوماسية مع العديد من الدول. وعلى هذا الأساس تمت إعادة صياغة علاقات جديدة ومتجددة مع الزاوية القادرية وأيضا التيجانية، وتم عقد ملتقى المنتسبين للطريقة التجانية في كل دول العالم بالعاصمة الثقافية والروحية للمغرب فاس، ويعتبر العديد من الأفارقة أن زيارة المغرب والزاوية التيجانية واجبا دينيا وروحيا. وإلى الآن تعتبر مدينة فاس وضريح سيدي أحمد التيجاني مزارا ومحجا للعديد من المريدين والوفود الآتية من غرب وجنوب إفريقيا.
وكانت أهمية الدبلوماسية الدينية/الروحية هذه، موضوع تقرير مركز كارينغي في يناير 2019، جاء فيه “يمتد التأثير الديني للمملكة إلى الساحل نظراً إلى الروابط التاريخية للمنطقة مع سلاطنة المغرب. وقد عمدت الرباط مؤخراً إلى إضفاء طابع رسمي على هذا التعاون في إطار دعمها لمجموعة دول الساحل الخمس، ونظّمت في هذا السياق برامج دراسية لقادة دينيين من الساحل وغرب إفريقيا في إطار ما تُسمّيه “الدبلوماسية الدينية”. وهذا يضمن بقاء المغرب في مقدّمة الجهود الأمنية والمساعي الهادفة إلى مكافحة الإرهاب في الساحل، وربما، في نهاية المطاف، في إفريقيا بكاملها وأبعد منها. وكان معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات في الرباط قد قام بتدريب مئات الأئمة من الساحل وغرب إفريقيا”.
علاقات التعاون المغربي الإفريقي شراكة إستراتيجية رابح ـ رابح
يدرك المغرب جيدا أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية تتوقف على عامل التمويل بكل مصادره. لأجل هذا حرص جلالة الملك، في زياراته الرسمية لأكثر من 30 دولة إفريقية، أن يرافقه رجال أعمال ومسؤولو الأبناك والخبراء في العديد من المجالات الإنتاجية والفلاحية من أجل الإرتقاء بعلاقات التعاون مع الدول الإفريقية نحو شراكة إستراتيجية رابح ـ رابح. وقد تمكّنت الأبناك المغربية، بفضل هذه الشراكة، من التواجد في أكثر من 20 دولة إفريقية. إستراتيجية شددت عليها الرسالة الملكية إلى المشاركين في أشغال اجتماع التجمع الإفريقي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية للدول الافريقية الأعضاء في البنك وصندوق النقد الدوليين، في مراكش 5 يوليوز 2022، كالتالي “يظل التعاون جنوب-جنوب الطريق الامثل للنهوض بالأوضاع الاقتصادية لبلدان القارة. وللمغرب قناعات ثابتة وإنجازات هامة في هذا السياق، من خلال الالتزام المستمر والمشاريع المهيكلة، على غرار مشروع أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا، الذي يتوقع أن يساهم بشكل جذري في تعزيز الأمن الطاقي لعدد كبير من البلدان الافريقية”. إن هذا الجهد المالي الكبير للمغرب على الساحة الإفريقية، كان موضوع تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجي والأمني الأميركي “ستراتفور” في يناير 2019، حيث لاحظ أنه “في ظل الاختفاء التدريجي للبنوك الأوروبية من أفريقيا، التي كانت مهيمنة على الاقتصاد منذ زمن، بات المغرب يوظف ثرواته المالية لإبراز قوته في جميع أنحاء القارة أملا في أن يصبح بلدا أكثر ثراء ونفوذا على الصعيد الدولي”.
وانخرطت الجماعات الترابية المغربية في دعم نظيراتها بعدد من البلدان الإفريقية، بحيث قررت لجنة القيادة للصندوق الإفريقي لدعم التعاون اللامركزي الدولي للجماعات الترابية (تم إحداثه من قبل وزارة الداخلية بهدف تشجيع الشراكة جنوب-جنوب) في اجتماعها بتاريخ 18 يناير 2021، تخصيص 18.27 مليون درهم لتمويل11 طلبا لفائدة 14 جماعة ترابية إفريقية تنتمي لدول الكوت ديفوار(03) وبوركينا فاصو(03) والسينغال(03) والبنين(02) ومالي(01) والكاميرون (01) وموريتانيا(01).
ووقع مجلس جهة الشرق مجموعة من الاتفاقيات مع بعض الجهات الافريقية الصديقة مثل جهة ناوا بساحل العاج و جهة بوكل دو موهون ببوركينافاسو و جهة كاولاك بالسنغال وجهة بارينغو بكينيا و جهتي تومبوكتو وكاي بجمهورية مالي، بالإضافة إلى المبادرات التي اتخذتها مختلف جهات المملكة مع مثيلاتها في البلدان الافريقية الصديقة في إطار منهجية التعاون اللامركزي.
ويذكر أن المغرب، اتخذ مبادرة إعفاء 23 دولة إفريقية أكثر فقرا من ديونها أثناء قيمة إفريقيا-أوربا التي انعقدت بالقاهرة في أبريل 2000.وقد تم التوقيع على مرسوم الإعفاء من طرف رئيس الحكومة في 10 دجنبر 2014.
زيارات ملكية متعددة للدول الافريقية
وأثمرت الزيارات الملكية المتعددة للدول الإفريقية إيمانا من المغرب بأن ثروات إفريقيا للأفارقة، على وضع أسس لشراكات إستراتيجية ومشاريع كبرى أهمها أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الذي سيربط بين 13 دولة إفريقية. كما تم إبرام أكثر من 1000 اتفاقية مع الدول الإفريقية في مختلف المجالات. القيمة الإجمالية للمبادلات التجارية بين المغرب والدول الإفريقية بلغت 39.5 مليار درهم عام 2019. ومكّنت هذه الإستراتيجية من انتقال الاستثمارات المغربية من 907 مليون درهم عام 2007 إلى 18.2 مليار درهم عام 2021، مما جعله خامس بلد مستثمر داخل القارة الإفريقية. فقد أفادت مديرية الدراسات والتوقعات المالية التابعة لوزارة المالية، أن الصادرات المغربية إلى القارة الإفريقية بلغت 21.6 مليار درهم عام 2019، فيما القيمة الإجمالية للمبادلات التجارية بين المغرب والدول الإفريقية بلغت 39.5 مليار درهم عام 2019. ويسعى المغرب جادا إلى تشكيل تحالفات جهوية لتحقيق الاندماج الاقتصادي وحماية الثروات الإفريقية من النهب من طرف الدول الاستعمارية السابقة. وفي هذا الإطار، أكد بوريطة خلال الاجتماع التحضيري للدورة العادية الـ 21 للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء، أن “المملكة المغربية تقترح إحداث منتدى اقتصادي لبلدان تجمع دول الساحل والصحراء، والذي من شأنه أن يكمل هندسة منظمتنا في مجال التنمية، وسيكون بمثابة منصة للتبادل والتعاون بين الفاعلين الاقتصاديين في فضائنا”. من جهود المغرب كذلك، بلورة إطار اقتصادي إستراتيجي يضم الدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي، والذي بات يحتضن أمانته العامة الدائمة. وحدد الاجتماع الأول لهذا الإطار بتاريخ 8 يونيو 2022 بالرباط، الهدف في بلورة رؤية إفريقية مشتركة حول هذا الفضاء الحيوي، والنهوض بهوية أطلسية إفريقية والدفاع بصوت واحد عن المصالح الاستراتيجية للقارة الإفريقية.
