15, فبراير 2026

إسحاق الذبيح في التراث الإسلامي وليس إسماعيل (الجزء الرابع)

محمد سعيد/ كاتب وباحث

الذبيح إسحاق أم إسماعيل في الإسلام؟

هذا السؤال عادة لا يتبادر إلى الذهن عند كل حلول لعيد الأضحى بالدول المدعوة بالإسلامية -هل الذبيح الذي ساقه إبراهيم إثر رؤيته حسب القرآن، والذي كان مزمع على ذبحه حقيقة حسب التوراة 1 هو إسحاق أم إسماعيل؟

فالمصادر الإسلامية تعرف تضارب بخصوص شخص الذبيح، هل هو “إسماعيل” أم “إسحاق”.

فهذا السؤال غير المطروح عند غالبية المسلمين يطرح إشكالاً عويصاً، فقد تكونون من غير المتسائلين في هذا الأمر، وقد تكونون من غير المهتمين بشأنكم الديني إذا كنتم مسلمون، لكن الأمر عندكم غير محسوم بأن الذبيح هو “إسماعيل” كما تضنون، فبالرجوع للمصادر الموثوقة والتفسيرات المعروفة (لا أقول غير المتداولة)، نرى هناك إشكالا لم يحسم بعد منذ بداية القرن الثالث الهجري إلى اليوم.

تكلمنا في المقال الأول من هذه الدراسة التحليلية على أن الذبيح هو “إسحاق” وليس “إسماعيل”، وها نحن نعرض هذه المسألة للنقاش بهذا المقال الثاني، إذ سنعطي رأي لفئة أخرى وقفت في هذا الجدل على الحياد، وذكرت الرأيين من دون أن تحكم -من الأصح؟

سأحاول في هذا المقال التحليلي أن أعرف بالمؤرخين والمفسرين الذين وقفوا في الحياد، وذلك بعدم حسمهم في -من هو الذبيح؟ والقائلين بالرأيين، بمعنى أخر يمكن أن يكون الذبيح “إسماعيل” أو “إسحاق”.

 

أولاً: الجاحظ على الحياد في حل إشكالية الذبيح اسحاق أم إسماعيل.

يذكر الأديب المُتكلم العباسي “الجاحظ” (159 – 255 ه / 775 – 868 م)، في هذه المسألة الرأيين دون أن يفتي أيهما الأصح، إذ يقول: “وقد أمر الله تعالى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بذبح إسحاق أو إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، فأطاع الوالد وطاوع الولد” 2، ولكن من المفارقات المهمة واللافتة للنظر أن الجاحظ وفي مكان أخر من كتابه، يقول: “على أن لو تأولنا الذبح على مثال تأويل قولنا في ذبح إبراهيم إسماعيل عليهما السلام” 3، وهنا يعقب محقق الكتاب “عبد السلام هارون” بأنه ورد في نسخة أخرى اسم إسحاق بدل إسماعيل ذبيحا، فأية نسخة من مخطوطات الحيوان هي الأقدم؟

لم يوضح لنا المحقق هذا الأمر، ولكن هل يعني ذلك أن الجاحظ كان يميل إلى تسمية واحد من الإثنين ذبيحا؟

في هذه الحالة سيكون قد سمى حتما إسحاق، في حين أن الناسخ الأخر غير الاسم، و يسترعي انتباهنا هنا رأي المحقق، وهو مؤرخ وأديب معروف، فله موقف ملتبس على شاكلة موقف “الجاحظ”، إذ يقول تعقيبا على نص الجاحظ: “وقد اختلف المؤرخون المسلمون وكذلك أصحاب التفاسير في الذبيح منهما، والأعرف عندهم أنه اسماعيل بأدلة سردها البيضاوي في تفسيره، وليس في القرآن نص على أحد منهما، وفي سفر التكوين  ينص صراحة على أن الذبيح إسحاق، وإلى هذا الرأي مال معظم الصحابة”، وهنا يرجع إلى “ابن قتيبة” و”ابن سلام” وغيرهما، ونرى “عبد السلام هارون” متأرجحا بين رأيين، فرغم إقراره يميل معظم الصحابة إلى القول بإسحاق، فهو لا يجزم بذلك خوفا من الرأي السائد ربما، ثم يعود في الهامش فيؤكد تأرجحه بين الرأيين، فيقول: “فإن اسماعيل أو إسحاق لم يذبح”، وباختصار فهو يسير على خطى “الجاحظ” ويتحاشى أن يفصل في هذا الخلاف أو حتى أن يبدي فيه رأيا، أما “محمد ابن سعد” (168 – 230 ه / 784 – 845 م) في مؤلف “الطبقات” 4، فإنه تجنب كليا الخوض في هذا الموضوع الشائك، فلم يشر إلى مسألة الذبح لا من قريب ولا من بعيد شأنه في ذلك شأن “أحمد بن حنبل” (164 – 241 ه / 784 – 855 م) الذي يتهرب من أن يبدي رأيا في المسألة وينتصر لفئة على الأخرى.

 

ثانياً: اليعقوبي يذكر الرأيين بخصوص الذبيح إسماعيل أم إسحاق.

يقف “اليعقوبي” في تاريخه على الحياد، فيذكر الرأيين ولا يقطع بواحد منهما، يقول: “فأمره الله أن يذبح ابنه، فالرواية تختلف في إسماعيل واسحاق، فيقول قوم إنه إسماعيل لأنه الذي وضع داره وبيته وإسحاق بالشام، ويقول قوم إنه إسحاق لأنه أخرجه وأخرج أمه معه وكان يومئذ غلاما وإسماعيل رجل قد ولد له” 5، وصار على نهج “اليعقوبي” المؤرخ المعروف “المسعودي” كذلك، أي بذكر الرأيين، فعلى الرغم من عداوته للجاحظ، فقد وقف من المسألة موقفا مشابها له، فذكر في ترجمته لإسماعيل الرأيين ولم يفصل فيهما، فأورد في “مروج الذهب”: “وقد تنازع الناس في الذبيح، فمنهم من ذهب إلى أنه إسحاق ومنهم من رأى أنه إسماعيل، فإن كان الأمر بالذبح وقع ب”منى” فالذبيح إسماعيل لأن إسحاق لم يدخل الحجاز، وإن كان الأمر بالذبح وقع بالشام، فالذبيح إسحاق لأن إسماعيل لم يدخل الشام بعد أن حمل منها”، لكن “المسعودي” أشار إلى نقطة مهمة بشأن النقاش الحامي في زمنه حول هوية الذبيح، وهو دخول التيارات الدينية الشعبية التي تكلم عنها الأنثربولوجي المغربي “عبد الكبير الخطيبي” في كتابه “الحمى البيضاء” على خط هذا الجدل، أو لعلها كانت ورائه وسببا في تأجيجه، فقد كان الفرس الساسانيون ينتسبون إلى إسحاق، فكان من الطبيعي أن يفتخروا على العرب وفق تعبير “ابن عبد ربه” بإسحاق بن إبراهيم، وأنه لسارة، وأن إسماعيل لأمة تسمى “هاجر”، فرد عليهم العرب بالفخر بإسماعيل بكر إبراهيم، ونسبوا إليه فضيلة الذبيح الذي اختاره إليه، فاتخذ الجدل منحى عرقيا وعصبيا، ولعل هذا المنحى كان في الأساس وراء هذا الجدل، و”المسعودي” الذي عاصر هذا الجدل في الفترة العباسية، نقل لنا نموذجا عن هذه المفاخرات، فقال: “وقد افتخر بعض أبناء الفرس بعد التسعين والمئتين بجده إسحاق بن إبراهيم الخليل على ولد إسماعيل، بأن الذبيح كان إسحاق دون إسماعيل”، فقال في كلمة له:

أيا بني أباتت لكم***ما هذه الكبرياء والعظمة

ألم تكن في القديم أمكم***لأمنا سارة الجمال أمه

والملك فينا والأنبياء لنا***أن تنكروا ذاك توجدوا ظلم

إسحاق كان الذبيح قد أجمع***الناس عليه إلا ادعاء لمه

حتى إذا ما محمد أظهر***الدين وجل بنوره الظلمه

قلتم قريش والفخر في الدين***لا الأحساب ان كنتم بنية فَمه 6

ثالثاً: البغوي والزمخشري يذكران الرأيين كذلك.

البغوي (436 – 510 ه / 1041 – 1122 م)* في تفسيره يذكر القولين مع الروايات ولا يفصل بينهما، ويقف الإمام “أبو القاسم محمود الزمخشري” (467 – 538 ه / 1074 – 1143 م) في تفسيره “الكشاف” موقفا محايدا، فيورد روايات كل من الفريقين، فينقل عن “علي بن أبي طالب” و”ابن مسعود” و”العباس” و “عطا” و”عكرمة” أنه “إسحاق” 7، و”فخر الدين الرازي” و “ابن الأثير” لا يقطعان برأي، الإمام “فخر الدين الرازي” (544 – 606 ه / 1149 – 1210 م)  ينقل روايات الطرفين ولا يبدي حكما فيها، إذ يقول: “فقيل أنه إسحاق وهذا قول عكرمة وعلي والعباس بن عبد المطلب، وابن مسعود وكعب الأحبار وقتادة وسعيد، وبن جبير ومسروق والزهري والسدي ومقاتل رضي الله عنهم”، وينهي “فخر الدين الرازي” عرضه برواية عن “الزجاج”: “و كان الزجاج يقول الله أعلم أيهما الذبيح” 8، والمؤرخ العلامة “ابن الأثير” (555 – 630 ه)، يذكر في “الكامل في التاريخ” الرأيين ولا يقطع في واحد منهما في قوله: “واختلف السلف من المسلمين في الذبيح، فقال بعضهم هو إسماعيل وقال بعضهم هو إسحاق، وقد روي عن رسول الله كلا القولين، ولو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره، فأما الحديث في أن الذبيح إسحاق فقد روى الأحنف عن العباس بن عبد المطلب عن الرسول، في حديث ذكر فيه، وفديناه بذبح عظيم -الصافات 107 – وهو إسحاق، وقد روى هذا الحديث عن العباس ولم يرفعه”، ويعيد “ابن الأثير” تسمية أبرز الصحابة والتابعين الذين قالوا أن الذبيح إسحاق، عمر بن الخطاب وعلي والعباس وابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود وكعب 9، وفي كتابه “أسد الغابة في معرفة الصحابة”، يرد “ابن الأثير” حديثا للصحابي “نهار العبدي”*، وقد نقله عنه “ابن حجر العسقلاني” (ت 52 ه) كما يلي:

قال “يوسف الصديق الله بن يعقوب نهار العبدي”، ذكره “محمد بن الحسن النقاش” في تفسيره بغير إسناد، قال: قال نهار العبدي: “جاء رجل إلى النبي”، فقال: “أي الناس أكرم حسبا، أخر عن يوسف بن أسباط إسرائيل عن الثوري، عن ثور بن يزيد عن نهار إسرائيل بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله” 10، ويذكر “ابن حجر العسقلاني” حديثا “نهار العبدي”، وكانت له صحبة عن النبي، قال: “إسحاق ذبيح الله”، و”الإمام الخازن” (678 – 741 ه / 1280 – 1340 م) اكتفى في تفسيره بذكر القولين مع الروايات كذلك 11، ويورد الإمامان “جلال الدين المحلي” (791 – 864 ه / 1389 – 1460 م) وتلميذه “جلال الدين السيوطي” (849 – 911 ه / 1445 – 1505 م) الرأيين من دون ترجيح أي منهما، يقولان باختصار في تفسير قوله: “وفديناه” (سورة الصافات 107)، أي المأمور بذبحه وهو إسماعيل أو إسحاق.

لقد حيرت مسألة هوية الذبيح الإمام “جلال الدين السيوطي” واستوقفته فترة طويلة، إذ تناولها في “تفسير الجلالين” وفي “الدر المنثور في التفسير بالمأثور”، ثم عاد وخصها ببحث مستقل سماه “القول الفصيح في تعيين الذبيح” عرض فيه مختلف الآراء في ذلك ولم يقطع هو برأي، إذ قال في الخاتمة: “وكنت ملت إليه في علم التفسير، وأنا الأن متوقف في ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم”، أي أن الإمام “السيوطي” في تفاسيره للقرآن كان يقول، أن الذبيح إسحاق ثم عاد وتوقف عن إعطاء رأي في هذا الخلاف.

المراجع: 

1-سفر التكوين (22).

  2-كتاب “الحيوان” للجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر / تحقيق: عبد السلام هارون – بيروت، دار إحياء التراث العربي / الطبعة الثانية 1965 المجلد الأول (ص 163)

  3-نفس المصدر / المجلد الرابع (ص 84)

  4-الطبقات الكبرى لابن سعد / تقديم: إحسان عباس –بيروت، دار صادر / الطبعة الثانية 1998 المجلد الأول (ص 46 – 52)

5-“تاريخ اليعقوبي” أحمد بن إسحاق بن جعفر البغدادي / تعليق: خليل منصور –قم، إيران / مطبعة شريعة، الطبعة الثانية / المجلد الأول (1425 ه – ص 26)

6-المسعودي/ المجلد الأول (ص 282)

*معظم المصادر التي ترجمت للبغوي لم تشر إلى السنة التي ولد فيها، غير أن “ياقوت الحموي”، قال في “معجم البلدان” أنه ولد سنة (433 هـ) أما “الزركلي” فأشار في “الأعلام” إلى أنه ولد سنة (436 هـ)، أما تاريخ وفاته فجميع من ترجم له أرخوا أنه توفى سنة (516 ه)، أما “ابن خلكان” فأرخ وفاته (510 ه).

7-تفسير “الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل” الزمخشري جار الله / محمود بن عمر -تحقيق: خليل مأمون شيحا، بيروت / دار المعرفة (الطبعة الثانية 2005 ص 911)

  8-“التفسير الكبير” فخر الدين الرازي / دار إحياء التراث العربي، بيروت / المجلد السادس والعشرون (الطبعة الثالثة ص 153 – 155)

  9-الكامل في التاريخ المعروف ب”تاريخ ابن الأثير” الإمام علي بن محمد / تحقيق: أبو صهيب الكرمي، عمان (بيت الأفكار الدولية ص 317)

10-“أسد الغابة في معرفة الصحابة” لابن الأثير الإمام علي بن محمد / الطبعة الخامسة، القاهرة (ص 43)

*”نهار العبدي” هو راوي، يروي عن أبي امامة الباهلي، وقد ذكره “ابن حيان” في نقل الحديث وارتباطه بعدد من الصحابة.

11-“الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح” للفراهي الإمام عبد الحميد / الطبعة الأولى، دار القلم – دمشق 1999 (ص 126)

هناك مراجع أخرى لمن أراد الاطلاع عليها ومعرفة من قال بالرأيين بخصوص الذبيح.

أنظر “الإصابة في تمييز الصحابة” للعسقلاني الحافظ أحمد بن علي بن حجر / تحقيق: حسان عبد المنان، بيت الأفكار الدولية، الأردن (الطبعة الأولى 2004 ص 1343)

أنظر كذلك “تفسير الجلالين” تحقيق: محمد عرقسوسي / مؤسسة الرسالة، بيروت (الطبعة الأولى 1995 (ص 450)

أنظر كذلك “القول الفصيح” للسيوطي، نقلاً عن الزغبي محمد فتحي (قصة الذبيح عند أهل الكتاب والمسلمين) دار البشير، القاهرة (الطبعة الأولى 1995 ص 34)

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

Exit mobile version