21, يناير 2026

تلميذ إدوارد سعيد الذي تفوَّق على أستاذه: من هو الإيراني الذي يقلب طاولة الفكر الغربي؟

 

مالكي نورالدين

باحث مغربي في علم الاجتماع

 

ولد حميد دباشي في بداية خمسينيات القرن الماضي في مدينة الأهواز جنوب غرب إيران. ترعرع هناك، وأتم تعليمه الأساسي والمتوسط والثانوي في مدينته. بعد ذلك، حصل على بكالوريوس في الاقتصاد السياسي من جامعة طهران بين عامي 1970 و1975. لم يتوقف عند هذا الحد، بل سعى وراء دراسات أعمق، فحصل على دكتوراه مزدوجة في علم الاجتماع الثقافي والدراسات الإسلامية في الولايات المتحدة، كما نال زمالة ما بعد الدكتوراه من جامعة هارفارد. اليوم، يشغل منصب أستاذ كرسي هاجوب كيفوركان للدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك. اهتماماته البحثية تركز بشكل خاص على الدراسات الإيرانية.

دارت المقابلة في إطار برنامج “العمق” على قناة الجزيرة، وغطت محاور عدة تتعلق بسيرة دباشي الفكرية واهتماماته الأكاديمية ورؤيته النقدية.

أولا: الهوية والتكوين الثقافي

ولد دباشي وترعرع في الأهواز، وهي منطقة متعددة الثقافات تتأثر بعوامل عربية (من العراق والخليج)، وهندية، وإفريقية، وإيرانية. بحيث؛ تحدث عن تأثير نشأته في الأهواز، كمنطقة حدودية ومهمشة، في تشكيل هويته الثقافية المركبة، حيث تأثر بالثقافة العربية (من خلال المطبخ والموسيقى والخطاب السياسي لعبد الناصر) والهندية والإفريقية، ما جعله يشعر بالانتماء لوطن ثقافي أوسع يمتد من إيران إلى العالم العربي.

وصف تجربته في طهران (1970-1975) كـ”صدمة ثقافية” إيجابية، بسبب ثراء وحيوية الحياة الثقافية فيها قبيل الثورة. حيث شكلت المدينة الجامعة آنذاك فضاء جامعا للقادمين من الأرياف والإثنيات المختلفة في لحظة ثورية.

ثانيا: الانتقال إلى الولايات المتحدة وتأثير إدوارد سعيد

  • انتقاله إلى الولايات المتحدة وتأثير الثورة الإيرانية

وصل إلى الولايات المتحدة عام 1976 لدراسة الدكتوراه. وعاد إلى إيران صيف 1979 بعد الثورة، وكان جزءا من النقاشات حول الدستور في جامعة طهران قبل أن يطرح آية الله الخميني مفهوم “ولاية الفقيه”. واجه صعوبات في أمريكا بعد أزمة الرهائن، حيث انتشرت مشاعر معادية للإيرانيين، وصلت إلى مظاهرات طلابية في جامعته تنادي “بتدمير إيران نوويا”. كما لجأ بعض الإيرانيين لتغيير أسمائهم لتجنب التمييز.

بعد شرح تحوله للدراسة في الولايات المتحدة عام 1976 وصعوبة المرحلة التي تلت أزمة الرهائن (1979) وكيف واجه هو والمجتمع الإيراني في الخارج موجة كراهية وعنصرية. قدم تحليلا تاريخيا يؤكد أن الثورة الإيرانية في بداياتها (1977-1979) لم تكن إسلامية في أصلها، بل كانت لحظة تلاقت فيها (ٍ أوتحالفا بين) ثلاث قوى: القومية المناهضة للاستعمار (تمثلت في إرث محمد مصدق)، واشتراكية العالم الثالث (تمثلت في حركة “الفدائيين” الماركسية)، والحركة الإسلامية (قادها الخميني منذ 1963)، حيث جاءت “ولاية الفقيه” كرد فعل من الخميني لاحتواء القوى غير الإسلامية التي شاركت في الزخم الثوري. ويؤكد أن القوى الإسلامية استحوذت على الثورة لاحقا.

  • الإقامة في نيويورك والتنوع الثقافي

يصف دباشي نيويورك بأنها “فسيفساء ثقافية”، مستشهدا بقصيدة الشاعر محمود درويش عنها.  بالنسبة له، يؤكد أن جمال المدينة يتمثل في كونها مدينة مهاجرين، حيث الجميع قادمون من خلفيات متنوعة، باستثناء الأمريكيين الأصليين. يرى أيضا، أن هذا التنوع يسمح بتجربة ثقافية غنية، مثل تناول أطعمة من مختلف الثقافات بلغاتها الأصلية.

  • تأثير إدوارد سعيد

أفرد مساحة كبيرة لتأثير المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد عليه، معتبرا أن كتاب “الاستشراق” كان ثوريا؛ أي أنه ثورة في مجال الكتابة عن الثقافة، حيث أعطى صوتا للمستشرقين، أو لأنه أطلق لسان المثقفين غير الأوروبيين وحررهم من أن يكونوا مجرد موضوع للدراسة، وسمح لهم بالمشاركة في الحوار، وليكونوا فاعلين في إنتاج المعرفة. تعرفه على سعيد كان عبر سمعته الفكرية أولا، ثم تحدث إليه هاتفيا عام 1988 (روى قصة اتصال سعيد به شخصيا وتشجيعه له على الانضمام إلى جامعة كولومبيا، مما مهّد لصداقة عميقة بينهما.) عندما كان يتخذ قرارا بين عرضي عمل من جامعتي كولومبيا ونيويورك. كانت بداية محادثة طويلة تحولت لصداقة حميمة.

ثالثا: انخراطه في القضايا العربية والفلسطينية والسينما

  • ارتباطه بالقضية الفلسطينية والثقافة العربية

ينفي أن يكون ارتباطه بالعرب ناتجا عن أصل عرقي، رغم تأثره بالثقافة العربية منذ الطفولة (كالموسيقى) وإتقانه للغة العربية في المدرسة. يعزى ارتباطه إلى:

  • الالتزام الثوري بالقضية الفلسطينية، حيث زار المخيمات في لبنان وعرض أفلاما فيها.
  • نشاطه السياسي الذي جعله يشعر بأن العالم العربي أصبح وطنه الثاني بعد صعوبة العودة إلى إيران.
  • الاختلاف الطبقي مع إدوارد سعيد (الذي جاء من عائلة ثرية)، مما جعل منهج دباشي النضالي مختلفا، كتنظيم مهرجان للفيلم الفلسطيني في نيويورك عام 2003 بطريقة غير تقليدية لتجنب المقاطعة الصهيونية.

أوضح أن انخراطه في القضية الفلسطينية سبق معرفته بسعيد، ونتج عن خلفيته الثقافية العربية وموقفه الثوري. وقد تبلور هذا الالتزام عمليا من خلال تأسيسه “مهرجان الفيلم الفلسطيني”، وتأسيس أرشيف ضخم للأفلام الفلسطينية في جامعة كولومبيا.

  • اهتمامه بالسينما ودورها

رأى أن السينما أداة جوهرية لمواجهة السرديات المهيمنة، وضرب مثلا بأهمية فيلم “باب الشمس” ورواية ” آرابيسك” في كسر حاجز الصمت والتعبير عن الذاكرة الجماعية.

بهذا، أسس أرشيفا ضخما للسينما الفلسطينية في جامعة كولومبيا. كما ذهب أن السينما أداة قوية لرواية القصص الصعبة، مثل “النكبة” الفلسطينية، مستشهدا بفيلم “باب الشمس” (لمخرجه المصري يسري نصر الله، مقتبسا عن رواية إلياس خوري) الذي قدم تجربة النكبة للعالم. ويشير أيضا إلى قوة الأدب الفلسطيني المكتوب بلغة المحتل، كما في رواية “آرابيسك” لأنطون شماس المكتوبة بالعبرية، (التي تطالب بالوطن بلغة المحتل العبرية).

في السياق الإيراني، يميز بين ثلاثة أنواع من السينما: السينما الدعائية للحكومة، والسينما التجارية، والسينما الفنية (مثل أعمال عباس كياروستامي Abbas Kiarostami) التي يعرفها العالم. يمكنني القول، إن هذا التمييز، يلخص الوظائف الثلاث الكبرى للسينما في المجتمع: فإما أن تكون أداة سياسية (دعائية) تهدف لترويج أجندة السلطة وتشكيل وعي الشعوب بما يخدم الحكومة مثل الأفلام التي تمجد الحروب والبطولات العسكرية بتكليف رسمي، أو سلعة استهلاكية (تجارية) تتبع منطق السوق والربح السريع عبر الترفيه السطحي الذي يجذب الجمهور العريض مثل أفلام الأكشن الضخمة أو الكوميديا التجارية، وأخيرا رسالة إنسانية (فنية) تعنى بالتجريب الجمالي وتقديم رؤية فلسفية أو نقدية عميقة للواقع بعيدا عن حسابات المال أو السياسة، مثل “سينما المؤلف” والأفلام التي تشارك في المهرجانات الدولية (كمهرجان كان) لتطرح قضايا وجودية أو اجتماعية معقدة. وبهذا، ينتقد دباشي عزلة السينما العربية عن نظيرتها الإيرانية والعكس، رغم نجاح كل منهما دوليا.

رابعا: النقد الجذري للمركزية الأوروبية في إنتاج المعرفة

  • نقده للنزعة المركزية الأوروبية في الفلسفة والثقافة

استوحى فكرة كتابه هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟  من مقالة لفيلسوف أوروبي استشهد حصريا بفلاسفة أوروبيين، متجاهلا الفكر في بقية العالم. يرى أن النزعة المركزية الأوروبية استعمارية، وتفترض أن العقلانية والفلسفة ظاهرتان أوروبيتان خالصتان، بينما بقية العالم كان مجرد “موضوعات للمعرفة” تنتظر الاكتشاف والوصف من قبل الأوروبي. يحلل أعمال الفلاسفة الأوروبيين مثل إيمانويل كانت على أنها تكرس هذه النظرة، حيث تضع أوروبا كـ”ذات عارفة” والعالم غير الأوروبي كـ”موضوع للمعرفة”.

يؤكد أن هذه النظرة تتجاهل عمدا الإسهامات الفكرية والحضارية خارج أوروبا، وتختزل ثقافات الآخرين إلى “فلكلور” أو “إثنوغرافيا” (مثل وصف “الموسيقى الإثنية” للموسيقى غير الأوروبية). كما يشير إلى كتب أخرى ساهمت في تفكيك هذه النظرة، مثل فلسفة التحرير” لأنريكي دوسيل Enrique Dussel(الأرجنتين)، و اختراع إفريقيا لفالنتين موديمبي  Mudimbe Valentin-Yves (الكونغو). حيث يشكل هذا المحور القلب النظري للمقابلة، حيث قدم دباشي نقدا حادا للفكر الأوروبي الذي يجعل من “أوروبا” الذات العارفة الوحيدة، ويختزل بقية العالم إلى “موضوع” للدراسة والاستكشاف. ويرى أن هذا المنطق الاستعماري يتجلى في تسميات مثل “الفلسفة الغربية” مقابل “الفكر العرقي” أو “موسيقى الشعوب”.

  • تحديات الهيمنة والتفكير النقدي

دعا إلى تفكيك هذا النسق المعرفي من خلال إبراز تاريخ الفلسفات غير الأوروبية (كفلسفات ابن سينا والغزالي وابن رشد) وتسليط الضوء على رواد مشروع “فلسفة التحرير” (مثل إنريكي دوسيل) و”تفكيك الاستعمار”. رفض فكرة أن الهيمنة الغربية لا تقاوم، حيث يراها أن هيمنة تقليدية في تراجع، مشيرا إلى صعود قوى مثل الصين واليابان، في مجالات التكنولوجيا والعلوم، وإلى أن الابتكار العلمي في الغرب نفسه يقوم على أكتاف علماء مهاجرين، من خلفيات غير أوروبية هم من يقف وراءها. كما نوّه بأن حرية التعبير في الغرب ليست مطلقة، فقد تعرض هو شخصيا لمحاولات طرد من جامعة كولومبيا بسبب مواقفه.

خامسا: المثقفون العرب والمسلمون في المنفى

في رده على سؤال عن ندرة المثقفين النقديين في العالم العربي والإسلامي مقارنة بوجودهم في المنفى، رأى دباشي أن تبني اللغة الإنجليزية (كملكية استعمارية “استُعيرت” للمقاومة كما استعار السكان الأصليون بنادق المستوطنين) وفر مساحة ديمقراطية خارجة عن “السلطة الأبوية” للغات الأم، مما سمح باختراق حواجز معرفية محلية.

بهذا، يعتبر اللغة الإنجليزية، رغم أصولها الاستعمارية، قد أصبحت أداة للمثقفين من العالمين العربي والإسلامي للتفكير بحرية أكبر والاختراق المعرفي، هربا من القيود الأبوية التي قد تواجههم بلغاتهم الأصلية في أوطانهم. يرفض المقارنة بين منهج إدوارد سعيد المركز على قضية واحدة (فلسطين) وجعلهما عالمية، وبين منهج فلاسفة مثل سلافوي جيجيك Slavoj Žižek (سلوفينيا) الذي يراه يكتب عن مواضيع شتى بشكل سطحي أحيانا.

يؤكد على وجود مفكرين مهمين يعملون داخل العالم العربي والإسلامي (مثل طه عبد الرحمن وناصر حامد أبو زيد)، وأن المثقفين في المهجر يشكلون جزءا من طيف أوسع من التفكير النقدي الذي يتسع عبر وسائل الاتصال الحديثة.

خاتمة

اختتمت المقابلة بتأكيد دباشي على أن المثقفين في المنفى رغم أهميتهم، هم جزء من طيف أوسع من التفكير النقدي الذي يتضمن أيضا مفكرين يعملون داخل المجتمعات العربية والإسلامية بلغاتها المحلية. وبهذا، قدم دباشي خلال المقابلة سيرة ذاتية فكرية غنية، وجسرا بين الهويات الثقافية المتعددة، ونموذجا للمثقف العضوي المنخرط في قضايا العدالة والتحرر المعرفي، مستلهما إرث إدوارد سعيد ومطورا له في معركته ضد المركزيات الفكرية والاستعمارية بمختلف أشكالها.

المراجع والمصادر التي تم الاستشهاد بها (بالتوثيق الأكاديمي المبسط):

 

اترك تعليقاً

Exit mobile version