15, يناير 2026

النحلة والذبابة: قصة فلسفية تمتد من الأزهار إلى القاذورات

عبد العزيز الخطابي

في زمانٍ كثرت فيه التحديات، واختلطت فيه الألوان، يبدو أن الفلسفة تُ

عبر عن نفسها بطرق غريبة أحيانًا. تأمل معي في العالم من حولنا، واسترجع مشهدًا بسيطًا لطبيعتين مختلفتين: النحلة والذبابة. في ضوء كل ما يدور حولنا، تستحق هذه المخلوقات الصغيرة أن تكون موضوع تأملات عميقة. لكن هل سيكون الأمر مجرد تأمل؟ أم سنجد فيه من يحمل الرسائل المخبأة وراء هذا التباين الصارخ؟

 

لنبدأ بالنحلة، تلك الكائنات المجتهدة التي تحتل مكانتها في قلوبنا وحقولنا. إنها تراوح بين الأزهار، تجلب الرحيق، وتنتج العسل الذي يُعتبر رمزًا للحلاوة والنقاء. إذا كانت النحلة تمثل العمل الجاد وروح التعاون، فهي أيضًا تجسد معنى الحياة بمجملها — العمل المثمر، والنجاح المُستدام. إن النحلة لا تتعامل مع الحياة على أنها مسألة فردية، بل تُدرك أن كل عضو في الخلية يحمل مهمة مُحددة تسهم في تحسين البيئة المحيطة.

 

وجهة النظر هذه تبرز أهمية العمل الجماعي والتعاون في المجتمعات. إذا كانت النحلة نموذجًا للروح الجماعية، فيمكننا أن نتساءل: كيف تتعامل المجتمعات المختلفة مع هذا المفهوم؟ لنبدأ بالمغرب، حيث تُعتبر ثقافة التعاون جزءًا لا يتجزأ من الهوية المغربية. يسعى الناس هنا لبناء حياة قوامها الأمل والإبداع، حيث يُنظر إلى العمل كوسيلة لتحقيق الازدهار. تسهم النحلة باختيار الأزهار، في حين أن المجتمعات المغربية تختار الأهداف الطموحة التي تعزز من تنميتها ورفاهيتها.

 

على الجانب الآخر، نجد الذبابة، تلك المخلوقة التي تعيش بين القاذورات. هل هي صورة من صور الفوضى، أم هي إنسان عُصرت حياته بين البقايا؟ والواقع أن الذبابة تُعتبر سخرية الزمن، حيث تقضي وقتها في الأوساخ، غير مهتمة بما تتركه ورائها من آثار. لا تسعى وراء زهور الطبيعة، بل تكتفي بالفتات، ولعلها مثال للشخص الذي يتقبل الفوضى في حياته ويعيش يومه كأنه لا قيمة له. تُمثل الذبابة الفوضى التي تعصف بالمجتمعات، حيث تعيش الجزائر—باستسلام لفوضى الذبابة—دليلاً على ذلك. بين العواصف الاجتماعية والاقتصادية، ووسط الاضطرابات السياسية، تبقى الذبابة حاضرة في الحياة الجزائرية، وكأنها تجسد المأساة المعلقة.

 

لكن ما هو تأثير تلك الفلسفتين على الأفراد والمجتمعات ككل؟ النحلة تعلمنا أهمية الجهد والإخلاص، وكيف يمكن للعمل الجماعي أن يُثمر نتائج إيجابية، بينما الذبابة تُذكرنا بأنه في كل مجتمع توجد تلك الفئة التي تُعاني من النزول إلى القاع، وتكتفي بمشاهد القذارة. هنا تكون المفارقة؛ أن الفقر ليس مجرد حالة اقتصادية، بل هو أيضًا حالة ذهنية.

 

إن المجتمعات تحتاج إلى النحل لتزدهر، لكن الذبابة تُظهر لنا الجانب الظلامي الذي قد يداهم البشرية عندما تغيب قيم التعاون والعمل الجاد. فبينما يسعى النحل إلى الرفعة، تُسهل الذبابة المسار أمام العجز والاستخفاف بالقدرات البشرية. هنا يأتي دور الثقافة والإرادة، لنجد أن المجتمعات يجب أن تتبنى فلسفة النحل من أجل تخطي عقبات الذبابة.

 

من المهم أن نعي أن الظروف المحيطة تؤثر على الخيارات التي نختارها في حياتنا. فبينما يهتم النحل بالأزهار، يمكن لكل فرد أن يسعى نحو تحسين ظروفه والتفكير في السبل التي من الممكن أن تُحرجه بعيدًا عن لذة المراوحة بين القاذورات. إن العمل الجاد والمثابرة لا تزالان الأساس، لخلق مجتمعات قائمة على القيم والتقدم.

 

في النهاية، تُعلِّمنا هذه المقارنة أن الحياة ليست مجرد اختيار، بل هو نشاط مستمر يحتاج إلى التفكير والتخطيط. غيِّر من نبرة حياتك، وحاول أن تكون كالنحل، تعمل بجد، وتبتعد عن فوضى الذبابة. اختر الأزهار، وسوف تجد بيئة مزدهرة تتجه نحو مستقبلٍ أفضل، رؤية مشتركة تعزز من روح التعاون ويُمكنها أن تُعيد وجه المجتمعات إلى ما هو جدير.

إنها دعوة لكل فرد على هذه الأرض: كن نحلة في عالم الذباب، وابحث دائمًا عن الزهور.

 

 

اترك تعليقاً

Exit mobile version