آسفي: مدينة تاريخية في سبات عميق… أين ذهب السياح والأحداث الرياضية؟
عبد العزيز الخطابي
في قلب المغرب، هناك مدينة آسفي التي تجمع بين سحر البحر وعراقة التاريخ، لكنها عانت من حالة فريدة من التجاهل الذي وسمها بشكل غير مسبوق. فمنذ الاحتلال البرتغالي حتى اليوم، يبدو أن المدينة قد اتخذت قرارًا غريبًا بالمنافسة على لقب “أكثر مدينة مهجورة” في المغرب. فبعد مرور أكثر من خمسة قرون على مغادرة البرتغاليين، لا تزال آثارهم بادية في “قصر البحر”، لكن يبدو أن البقية المتبقية من المدينة تعيش في قصر من الإهمال.
آسفي لم تعد فقط مدينة تاريخية، بل أصبحت منزلًا للمنسيين. في ديسمبر 2025، جاء الحظ السيء في شكل فيضانات عاتية، حاملاً معه مأساة لم تكن بحاجة إليها المدينة. إذ تخيلت أن تكون أمطار الشتاء مجرد توابل، لكن ما حصل هو عاصفة حقيقية كشفت عن قشر البصل الذي يغطي المدينة، فانهارت المنازل، وتشرد السكان، وخرج الجميع بحثًا عن سقف يحميهم من الكوارث الطبيعية، والتي هي بفعل فاعل، وليس من السماء.
بينما تتعامل المدينة مع هذه الكوارث، على ذكاء سكانها أن يتعاملوا أيضًا مع مأساة أكبر، ألا وهي عدم وجود بنية تحتية ملائمة تعكس مكانتها التاريخية. في الماضي، كانت المدينة مزدهرة وتُعتبر نقطة انطلاق للرحلات التجارية، لكن يبدو أن الزمن قد قرر أن يضع آسفي في قائمة “لوحات الإعلانات المهجورة” التي لا يلتفت إليها أحد. فلا سياح يزورون المدينة لرؤية معالمها، ولا استثمارات تُدخلها إلى العصر الحديث، وكأن الجميع اتفقوا على تجاهل وجودها.
وفيما يتعلق بالسياحة، يبدو أن المدينة تعاني من نوع خاص من الكوميديا السوداء. فبرغم من تاريخها الغني ومعمارها الرائع، فإن آسفي تفتقر إلى أبسط مقومات جذب السياح. فغالبًا ما يغادر الزائرون إلى وجهات أكثر نعومة وراحة، تاركين آسفي لتواجه تحديات الفقر والتهميش. قد يعتبر البعض أن السياح لا يعرفون ما يفوتهم، لكن هل يمكن لومهم؟ هنا، حيث قلعة مر عليها الزمن، وكنائس تُعاني من الإهمال، ومنازل تتهاوى كأوراق الشجر في الخريف.
ولا يجب أن ننسى الجانب الرياضي، حيث كانت المدينة أملًا لكل الرياضيين الطموحين، ولكنها اليوم تعيش في حالة من الذعر، كونها لم تُدرج في برمجة كأس إفريقيا أو كأس العالم. يبدو أن المنظمين قرروا أن آسفي ليست ضمن الخارطة الرياضية، بل إنها ليست حتى النقطة الحمراء في خريطة الفعاليات الكبرى. أما ملاعبها الرياضية، فهي بمثابة أحلام قديمة، تتلاشى مع كل وعد لم يُنفذ. لماذا؟ لأن المدينة تفتقر إلى الاستثمارات الفعلية، إذ إن الحظ لم يكن حليفًا لأحد ليعود بها إلى الواجهة.
شخصيًا، أجد أن سكان المدينة لديهم قدرة لا يتقنها سواهم – مواجهة التحديات اليومية بمرح. يحتاج المواطنون في آسفي إلى “الأمل المجاني” لأجل رفع معنوياتهم، لأن البقاء على قيد الحياة في هذه المدينة هو بمثابة حفل تنكري ممل، حيث يتم التظاهر بأن كل شيء على ما يرام، في الوقت الذي تسرق فيه الفيضانات الأضواء عن معالم المدينة.
باختصار، آسفي تاريخ ضائع في طيات النسيان، تجتهد في الحفاظ على هويتها بينما تتعثر بإرادة العزيمة. لكنها، ومع ذلك، تبقى جوهرة في قلب المغرب بحاجة إلى الاعتناء بها وإعادة اكتشافها. إذا استمر هذا الإهمال، فقد تصبح آسفي يومًا ما مجرد ذكرى تُروى لأطفالنا شبيهة بالأساطير، ولكن بمعانٍ أكثر حزنا وسخرية.
