سناء كريم -المنعطف 24
تواجه الحكومة التي يترأسها عزيز أخنوش في عامها الرابع مجموعة من التحديات المعقدة التي تضع استقرار المغرب، ومستقبله الاقتصادي، والاجتماعي على المحك، مركز الحياة لتنمية المجتمع المدني، ومرصد العمل الحكومي كشفا في تقرير تحليلي، أو ورقة سياسية، تحديات الدخول السياسي، تحت عنوان: “اهداف طموحة وتحديات مقلقة”.
يأتي في مقدمة هذه التحديات تفشي الفساد، الذي يُعتبر من أبرز المعيقات أمام التنمية، حيث تشير التقارير إلى أن كلفة الفساد في المغرب تتجاوز 50 مليار درهم سنويًا، مما يؤثر سلبًا على الموارد المالية للدولة وفرص تحسين مستوى معيشة المواطنين.
علاوة على ذلك، تواجه الحكومة تحديًا كبيرًا يتعلق بتوفير الموارد المالية اللازمة لمشاريع الإصلاح والتنمية، في ظل ارتفاع النفقات الحكومية وضغوط الالتزامات الاجتماعية، ما يتطلب تحقيق توازن دقيق بين الوفاء بالتزامات التنمية والحفاظ على الانضباط المالي، مع ضرورة تعزيز العائدات الضريبية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية.
وفيما يتعلق بالحماية الاجتماعية، يُعد ورش الحماية الاجتماعية الذي أطلقته الحكومة طموحًا كبيرا، إلا أنه يواجه تحديات تتعلق بالاستدامة المالية وفعالية آليات تحصيل الاشتراكات، ما يُشكل ملف إصلاح التقاعد أزمة معقدة تستلزم حلولاً عاجلة، إذ يواجه نظام المعاشات خطر الإفلاس بحلول عام 2028، مما يتطلب إصلاحات جذرية تضمن حقوق المتقاعدين وتوازن النظام المالي.
لا تقتصر التحديات على الجوانب المالية والإصلاحية، بل تشمل أيضا قطاع الطاقة والماء، حيث يُعد التحول الطاقي ضرورة ملحة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية، ويتطلب ذلك استثمارات ضخمة وتطوير بنية تحتية فعالة، بينما تزداد أزمة المياه تعقيدًا في ظل التغيرات المناخية.
وفي خضم هذه التحديات، يبقى التشغيل من أبرز النقاط الضعيفة، إذ تسجل البلاد مستويات مقلقة من البطالة، تتجاوز 13.7%، مما يستدعي تدخلا عاجلا لتعزيز التشغيل وتحسين الظروف المعيشية للفئات الهشة.
ويُعد تعزيز القوانين الاجتماعية ضرورة حيوية لتوفير بيئة عمل مناسبة تُحفز الاستثمارات وتضمن حقوق العمال، فيما تجتمع هذه التحديات لتشكل مشهدا معقدا يتطلب استجابة شاملة وفعالة من الحكومة، حيث ينبغي عليها تعزيز الثقة بين المواطنين والدولة، والاستثمار في مشاريع تنموية تساهم في تحسين جودة الحياة.
تناول تقرير مركز الحياة لتنمية المجتمع المدني، ومرصد العمل الحكومي هذه القضايا بالتفصيل، مبرزين الحاجة الملحة لاستراتيجيات متكاملة تستجيب لتطلعات المغاربة وتساعد على تحقيق اهداف النموذج التنموي الجديد.
الفساد في المغرب من أبرز التحديات التي تواجه الحكومة :
كشف التقرير أن الفساد في المغرب من أبرز التحديات التي تواجه حكومة عزيز أخنوش في عامها الرابع، حيث وصل إلى مستويات خطيرة تهدد الاقتصاد الوطني، واستقرار المجتمع، فقد بلغت كلفة الفساد في المغرب ما يزيد عن 50 مليار درهم سنويًا، وهو ما يشكل نزيفًا حقيقيًا لموارد الدولة، ويؤثر بشكل مباشر على فرص التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وازداد الوضع تعقيدا مع تراجع تصنيف المغرب في مؤشر إدراك الفساد العالمي، حيث انخفض ترتيبه من المرتبة 73 إلى المرتبة 97 عالميا في غضون خمس سنوات، مما يعكس انتشارا متزايدا للفساد في مختلف القطاعات وضعف الجهود الرامية إلى محاربته.
ورغم خطورة هذه الظاهرة، يضيف التقرير، فإن حكومة أخنوش لم تتمكن حتى الآن من تقديم تصور واضح وفعّال لمواجهة الفساد والحد من تداعياته، بل على العكس من ذلك، أشار تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها لعام 2023 إلى عدم انخراط المؤسسات الحكومية والإدارية بالشكل المطلوب في تفعيل استراتيجية محاربة الفساد التي تم وضعها منذ سنوات، حيث يظهر التقرير غياب الالتزام الفعلي من طرف الجهات المسؤولة في تنفيذ التدابير والإجراءات الموصي بها، مما يُفاقم من انتشار الفساد ويُضعف من فعالية السياسات الرامية إلى تحسين الحكامة، ما يزيد من التحديات التي تواجهها الحكومة، حيث يضعها تحت ضغط متزايد لإيجاد حلول سريعة وملموسة تعيد الثقة للمواطنين وتساهم في تحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات.
تحديات مصادر تمويل مشاريع الإصلاح والتنمية:
أثار التقرير زيادة النفقات الحكومية نتيجة لمشاريع الإصلاح والتنمية التي أطلقتها الحكومة، والتي تتطلب تمويلا أكبر، مما يضعها أمام تحدي كبير يتعلق بإيجاد مصادر تمويل مستدامة للحفاظ على وتيرة تنفيذ هذه المشاريع دون التأثير سلبا على استقرار الميزانية العامة، حيث تواجه الحكومة ضغوطا لتحقيق توازن بين الوفاء بالتزاماتها التنموية، مثل تحسين البنية التحتية، و مشاريع الطاقة، و الماء وتطوير قطاعي الصحة، والتعليم والقدرة الشرائية للمواطنين، و تحسين الدخل، وبين الحفاظ على الانضباط المالي وخفض العجز، حيث يصبح البحث عن موارد جديدة مسألة ضرورية، سواء من خلال تعزيز العائدات الضريبية بطرق أكثر فعالية وعدالة، أو عبر تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي يمكن أن تساهم في تمويل المشاريع الكبرى، والاستفادة من التمويلات الدولية، سواء من خلال القروض الميسرة، أو الشراكات مع مؤسسات مالية عالمية.
وأضاف التثرير أنه مع ذلك، فإن هذه الخيارات تتطلب إدارة حذرة لضمان عدم ارتفاع مستويات الديون إلى مستويات غير قابلة للاستدامة (تصل نسبة الاستدانة في المغرب الى 69 في المئة من الناتج الداخلي الخام)، مما قد يؤثر على التصنيف الائتماني للبلاد، ويحد من قدرتها على الاقتراض في المستقبل بشروط ميسرة، كل ذلك يجعل من الضروري تحسين فعالية الإنفاق العمومي، وضمان توجيهه نحو القطاعات الأكثر أولوية، وتأثيرا على التنمية، مما يساهم في تحقيق أهداف النمو الاقتصادي دون الإخلال بالتوازن المالي.
الحماية الاجتماعية..مشروع بكلفة 51 مليار درهم سنويًا:
يواجه ورش الحماية الاجتماعية الذي أطلقه المغرب تحديا كبيرا يتعلق بضمان الاستدامة المالية، يكشف التقرير، حيث تصل كلفة هذا المشروع إلى حوالي 51 مليار درهم سنويًا، تُمول من خلال مساهمات الدولة إلى جانب اشتراكات المنخرطين، إلا أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات كشف عن وجود خلل كبير في آلية تحصيل الاشتراكات.
واستدرك التقرير أن إيرادات الاشتراكات لم تتجاوز نسبة 27 في المئة من إجمالي المشتركين المستهدفين، هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول مدى انخراط المغاربة في هذا المشروع الوطني، ومدى فعالية السياسات المتبعة لضمان مشاركة أوسع وشاملة، فضعف الإقبال على الاشتراك يعكس غياب الثقة لدى فئات واسعة من المجتمع، خاصة في ظل غياب إصلاحات مرافقة تزيد من جاذبية الورش وعدالته، وهو ما لم تعالجه حكومة عزيز أخنوش بشكل كاف.
وعرج التقرير إلى أن تحسين جاذبية هذا المشروع يتطلب إجراءات فعالة تسهم في تحسين التواصل حول فوائده وتعزيز العدالة الاجتماعية بين مختلف الفئات، مما يشجع المواطنين على الانخراط ،والمساهمة بشكل أكبر في هذا النظام، فمن دون هذه الإصلاحات، يبقى المشروع معرضا لضغوط مالية متزايدة قد تؤثر على استدامته، وهو ما يهدد بتحقيق أهدافه في تحسين الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاقها ليشمل الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
إصلاح التقاعد في المغرب أزمة معقدة:
يواجه نظام المعاشات المدنية خطر الإفلاس بحلول سنة 2028، حيث يشكل ملف إصلاح التقاعد في المغرب أزمة معقدة تتطلب حلولا عاجلة ومستدامة، ومن المتوقع أن يستنفد هذا النظام كامل احتياطاته، مما سيجبر الدولة على ضخ ما يقرب من 14 مليار درهم سنويا للحفاظ على استمرارية صرف المعاشات لفائدة المتقاعدين.
وحسب المصدر ذاته، تدرك الحكومة خطورة هذا الوضع، لذا أكدت من خلال اتفاق الحوار الاجتماعي أنها ستسعى إلى التوصل إلى اتفاق لإصلاح منظومة التقاعد مع الفرقاء الاجتماعيين خلال هذه السنة، ومع ذلك، فإن الإصلاح المطروح من طرف الحكومة يرتكز على ثلاثة مبادئ أساسية، ويتعلق الأمر بـ:
- الزيادة في قيمة الاشتراكات، 2. الرفع في سن التقاعد إلى 65 سنة، 3. خفض قيمة المعاشات.
هذا التوجه، حسب التقرير يعني أن الاجراء سيتحملون بشكل شبه كامل عبء تكاليف هذا الإصلاح، وهو ما أثار رفضا واسعًا من النقابات التي ترى أن هذه الإجراءات ستؤدي إلى زيادة الأعباء المالية على العمال والموظفين، دون تقديم ضمانات كافية بشأن تحسين جودة التقاعد على المدى البعيد.
ويزيد من تعقيد هذا الملف عدم التوافق بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين، مما يعزز المخاوف حول قدرة الحكومة على المضي قدمًا في إصلاح يحقق التوازن بين استدامة النظام وحماية حقوق المتقاعدين والعاملين على حد سواء، في ظل هذا الوضع، يبقى ملف إصلاح التقاعد ورشا شائكا وحساسا يفرض على الحكومة التعامل بحذر وتقديم تنازلات تضمن استدامة النظام دون تحميل العاملين وحدهم كلفة هذا الإصلاح.
