13, فبراير 2026

ليلى خزيمة

 

لكل حكاية بداية ونهاية. شهرزاد بدأت حكاياتها التي غيرت مجرى الأحداث وخلصت إلى نهاية سعيدة. وحكايا فسحة رمضان لهذا العام تُختتم بطقوس وعادات عيد الفطر أو “العيد الصغير” كما يحلو لنا أن نسميه. فهذه المناسبة الدينية سيدي القارئ تتويج لكل الخصال الحميدة التي رسخها فينا شهر رمضان الكريم. وهي فرصة لتقوية العلاقات العائلية وتعزيز قيم التضامن ونشر الفرح والسرور. فمنذ الساعات الأولى من الصباح، يتوجه المغاربة بالآلاف إلى المصليات والمساجد المخصصة لأداء صلاة العيد مصحوبين بأبنائهم وزوجاتهم، في أجواء يطبعها الحبور والسكينة، مرتدين أبهى الملابس التقليديةالمعدة لهذا اليوم السعيد. يرددون الأدعية والاذكار والابتهالات للعلي القدير. أجواء مفعمة بالتعبد والخشوع، يتمنون لبعضهم البعض أزكى الأمنيات ويقدمون أحر التهاني. كل من يزور البلد ويرى هذه التقاليد والطباع، يُغرم بالعيش وسط أناس لم تزحزحهم الحضارة والتطور عن التمسك بعاداتهم وتقاليدهم الضاربة في التاريخ.

عادات وتقاليد

تُرسخ عادات وتقاليد عيد الفطرلمجموعة من الآداب، إذ يتوجب من منظور الأسر المغربية الإعداد لمختلف أنواع الحلوى وتبادلها. شراء الفواكه الجافة واقتناء ملابس تقليدية جديدة وغيرها من الطقوس التي تبدأ صبيحة العيد.فقبل أداء الصلاة، يقوم أفراد الأسرة بالاغتسال لأن نظافةالجسد عند المغاربة لا تقل أهمية عن نقاء الروحي.يقومون بعدهابارتداء أجمل الثياب والتزين بكل ما هو طاهر وجميل، لتوجهوا صحبة الأطفال بلباسهم التقليدي المغربي إلى “المصلى” أو المسجد لأداء صلاة العيد.وفي الطريق لا يكفون عن ” االتكبير” أي ذكر اسم الله وشكره وحمده.

بعد أداء صلاة العيد، تتفاعل وتتناغم مختلف العناصر، فيتشارك الأفراد فرحة وبهجة العيد. يعودون إلى منازلهم فيتبادلون التهاني والتبريكات، ويتناولون وجبة الفطور على أنغام الموسيقى الأندلسية وموسيقى “الخمسة والخمسين”التي ترتبط في أذهان المغاربة بهذا النوع من المناسبات. ومن جهة أخرى تأخذ الأسر المغربية في زيارة بعضها البعض خاصة عصر العيد، فضلا عن زيارة المقابر للترحم على أرواح الموتى.

وتعكف الأمهات المغربيات على إعداد مائدة إفطار العيد طيلة الليل لتكون جاهزة في الصباح، وتشمل مختلف أنواع الفطائر المعروفة بالمغرب والتي لا محيد عنها في هذا اليوم مثل “المسمن” و”الحرشة”و”البغرير”و”الرغيف” المحشو بالجبن، و”رزيزة القاضي” التي تقدم رفقة الزبدة والعسل، والفواكه الجافة من لوز وجوز وتمر وزبيب، بالإضافة تشكيلة من الحلويات التقليدية والعصرية. يقول هشام الأحرش،باحث في تاريخ الأطباق المغربية الأكثر تداولا: «إن الطعام مرتبط بالاحتفال والاحتفاء منذ الأزل.ففي الحضارات القديمة كان يُعِده الكهنة ويُقدَّم للآلهة. وكان طعاما مميزا ومرتبطا بالمقدَّس… عند المغاربة بقي مرتبطا بالتقديس وبالاحتفاء وإعطاء القيمة. به يُعبَّر عن إكرام الضيف وعن المسرات. والأعياد واحدة من المناسبات الدينية التي تكون فيها جودة الطعام وقيمته حاسمة».

إذا كانت الأجواء الروحانية القاسم المشترك بين المغاربة في أيام عيد الفطر، فإن لكل منطقة مميزاتها وعاداتها. ففي بعض المناطق، قبل هذا وذاك، لا بد من تناول أول وجبة الجدات قبل التوجه لأداء صلاة العيد، وهي عبارة عن طبق الأرز بالحليب والسكر والقرفة واللوز وماء زهر البرتقال أو ماء الورد. ومنهم من يحضر وصفة “العصيد” بالعسل والزبدة كما الحال في جهة فاس.

أما في الجنوب الشرقي، تكون أجواء عيد الفطر جد مميزة، كما يصفها مصطفى مروان، الباحث في التراث الثقافي الأمازيغي: «يستيقظ الناس باكرا لأداء طقوس عيد الفطر. يتناولون وجبة تقليدية مكونة من القمح و”السمن البلدي”تسمى “بركوكس ن وودي”. ثم يلتحقون بالموكب المتوجه إلى المصلى مرددين أدعية دينية.وبعد صلاة العيد، تتبادل الجموع التهاني والتبريكات في المصلى، ليلتحقوا بالمنازل التي تكون مفتوحة في وجه العموم، ويمكن لأي شخص أن يزور أي منزل وإن لم يكن يعرف أهله. وفي جلسة شاي مرفوقة بما لذ وطاب من الحلويات إضافة إلى طبق الكسكس في وجبة الغذاء، تتبادل الجموع أطراف الحديث وتستقصي أخبار أفراد العائلة خاصة كبار السن. وهي مناسبة لاسترجاع ذكريات أو طرائف أو لحظات مشتركة أو ما يجمع الأجداد من علاقات متينة، أو نسج علاقات تعارف وصداقة جديدة بين غير المتعارفين. فالهدف الأساس هو ترسيخ أواصر المحبة واللُّحمة بين أفراد العائلة والقبيلة.وفي المساء، يجتمع الناس في ساحة عامة “إمي ن إغرم”، لمناقشة قضية من القضايا التي تهم القرية، كمساعدة محتاج، أو جمع الدعم لمشروع، أو تسوية خلافات، وغيرها من القضايا. ليكون الختم برقصة “أحيدوس”، حيث تتزين النساء والرجال بالزي التقليدي، لتُقرع الدفوف وتنطلق الأهازيج في حفل بهيج».

لكل نصيبه من الفرح

يوم العيد، تحرص العائلات المغربية على صلة الأرحام وتبادل الزيارات مع ذويهم وأقربائهم وأصدقائهم وجيرانهم مصحوبين بأبنائهم. كما يعتبر تقديم الهدايا من العادات التي لا يتخلى عنها المغاربة لتعميم الفرحة ورسم الابتسامة على الوجوه. فيقدم الرجال هدايا إلى زوجاتهم، عرفانا بتضحياتهن وبالجهد الذي يبذلنه لإسعاد جميع أفراد الأسرة، تسمى هذه الهدية عند البعض “حق الملح”. يقول الباحث المغربي هشام الأحرش إن:«حق الملح نوع من إعادة الاعتبار للزوجة والتسامح مع المرأة… فحينما تصبح العادة ضاربة في التاريخ، يصعب الحديث على الحقبة الزمنية التي ابتدأت منها».ويُكرم الكبارُ الصغار ببعض النقود التي ترسم البهجة على وجوههم. ولكي تعم الفرحة الجميع، لا يتأخر المغربي عن أداء واجبه الديني ليُتم عباداته ويخرج ما فُرض عليه من زكاة الفطر أو “الفطرة”كما نطلق عليها. وهي ممارسة أساسية يَختتم بها المغاربة شهر الصيام. فيخرجها ابتداء من يوم السابع والعشرين إلى يوم ليلة العيد لفائدة الفقراء والمحتاجين في المحيط العائلي أو الجيران، ويكون للنفار نصيب منها كهدية بعد أسابيع من العمل الدؤوب والمتواصل لإيقاظ الناس للسحور.ومن المغاربة من يفضل إعطاءها لجمعيات خيرية تتكفل بتوزيعها على الأسر المعوزة. فالعادة تقول أنه لا يجب أن تصبح “الفطرة” في المنزل يوم العيد،ربما ليتسنى لمن ستُعطى له الاستفادة منها مع أطفاله يوم العيد.

وجه آخر لتعميم الفرحة على الجميع هو ما يسمى “بالتفكور”أو “التفكيدة”بمعنى التفقد في الشخص. وهي واحدة من أهم العادات في عيد الفطر عند المغاربة، حيث تهدي أسرة العريس في هذه المناسبة خطيبة ابنها هدايا خاصة، تكون عبارة عن لباس تقليدي”قفطان” أو “تكشيطة”ونعل تقليدي “شربيل”وقطعة ذهب وهدايا أخرى حسب الإمكانيات المادية لكل أسرة، وذلك لتقوية العلاقات بين الخطيبين وإسعاد الزوجة المستقبلية وربط علاقة المودة بين العائلتين.

وتحرص كل امرأة حين تبادل زيارة العيد مع أقاربها على اصطحاب طبق مزيّن بمختلف أشكال الحلويات التي صنعتها احتفاء بالعيد، كعربون تهنئة ومباركة بحلول هذا اليوم.

وكما تنتشر الأعمال التطوعية طيلة شهر رمضان بتوزيع قفة رمضان وإفطار الصائمين، تتواصل روح التضامن في الأيام الأخيرة منه وتبلغ ذروتها، إذ تنشط الجمعيات الخيرية في توزيع كسوة العيد على الأطفال الأيتام. وإلى جانب الجمعيات المدنية المنظمة، ينخرط الأفراد كذلك في أعمال خيرية ذاتية.

 

في جميع أنحاء المغرب، تبقى الموائد المحملة بما لذ وطاب من الحلويات ممدودة طيلة يوم العيد مستعدة لاستقبال الأحباب والأصدقاء وعابري السبيل. وتصبح الشوارع والأزقة ساحات لعرض آخر صيحات الموضة من الأزياء التقليدية المغربية سواء تلك المخصصة للصغار أو الكبار، للرجال أو النساء. وتبقى العبارات الوحيدة المتداولة هي “عيد مبارك سعيد، أدخله الله علينا وعليكم بوافر الصحة والعافية وكل عام وأنتم بخير”.

 

 

اترك تعليقاً

Exit mobile version