13, فبراير 2026

اعداد- ليلى خزيمة

حكايتنا اليوم سيدي القارئ تصل بنا إلى ليلة هي خير من ألف شهر. ليلة قال عنها عز وجل في كتابه الكريم: «سلام هي حتى مطلع الفجر». يومُها، لم يحدد، لكن المغاربة يحيونها ويحتفلون بها في السابع والعشرين من شهر رمضان. وعندما يحتفل المغاربة بأي مناسبة، فالعادات والتقاليد لا تقتصر على صيغة المفرد ولا تنضب. ومن بين مميزات هذه الليلة، أن الأطفال إجمالا يستأثرون بالمشهد في معظم ربوع المملكة.يقول الأستاذ والباحث في علم الاجتماع السيد عبد الرحيم العطري: «أن ليلة السابع والعشرين من رمضان الفضيل تشكل مناسبة استثنائية في المجتمع المغربي، على اعتبار أن شهر رمضان بحد ذاته يندرج في إطار فلسفة “التعييد” و”العواشر” عند المغاربة، أي الاحتفال بكل ما هو اجتماعي. فتوجد عدة طقوس احتفالية على مدار 30 يوما من رمضان، والتي ترتفع ذروتها في ليلة السابع والعشرين. فتوجب معها مجموعة من الممارسات الغارقة في القدم منها ما هو ديني صرف وبعضها يعود إلى ما حاكته الذاكرة الجماعية لسنوات طوال.»

أول صيام

 

ومن العادات التي يشتهر بها المغاربة في السابع والعشرين من شهر رمضان الاحتفال بالصوم الأول للأطفال دون سن البلوغ في ليلة السابع والعشرين. هذا الاحتفال هو واحد من مظاهر العادات التقليدية المغربية التي تتجسد فيها معالم الحضارة والتقاليد. فهي تشكل محطة أساسية للأسر المغربية التي تعمل من خلال هذا التقليد على تكريس الانتماء الديني للطفل المغربي المسلم الذي تشده مظاهر هذه التجربة، فيخوض غمارها لأول مرة بحماسة وابتهاج. من الشمال إلى الجنوب، كل يوثق لهذه التجربة حسب عاداته. بعضهم يحلل صيام الطفل بتمرة وسط حشد عائلي كبير كما هو الحال في الوسط والغرب ويحظى الطفل الصائم ببيضة خاصة يُقشرها بنفسه ويُفطر عليها. وبعضهم يلزم الطفل بأكل حبة التمر على سلم خشبي كما هو الحال في بعض مدن الشمال. وهذا التقليد وهذا السلم هو دليل على الرقي والسمو. فالطفل الصائم عندما يتناول اللقيمات الأولى له في أول أيام صيامه ليلة القدر، يسمو بنفسه إلى درجات روحية عالية تقربه من الخالق سبحانه وتعالى. كما تضع الأم قطعة نقود وسط الأكل أو في كأس الحليب، أو يحاط الكأس بدملج من فضة وأوراق نقدية قبل أن يبدأ به الطفل الصائم فطوره.وبعض الأمهات يقمن بعادة “سبع حراير”. فيأخذن إيناء “الحريرة” من سبعة جيران ويخلطنها ليتناول منها الطفل الصائم وقت الإفطار. ومنهم من يضع “قرش حسني” من الفضة تحت لسان الطفل الصائم ويجعله يقفز ثلاث درجات دلالة على تجاوزه صعوبة الصيام الأول كما هو الشأن بمدينة تارودانت.

وبعد انتهاء الإفطار، يُزينُ الأطفال بأبهى الملابس التقليدية الخاصة ويجتمع كل الأطفال الصائمين لأول مرة داخل نفس الحي في منزل واحد، فتقام الاحتفالات بالأمداح وقراءة الأذكار. وفي مناطق أخرى، يجود كبار العائلة على الطفل الصائم بأوراق نقدية تضفي مزيدا من الاحتفاء وتحبب الطفل أكثر في الصيام. وللتوثيق لهذه الخطوة البديعة للطفل الصائم، تؤخذ صور تذكارية، لتبقى ذكرى متوارثة يتباهى بها الطفل ويقدمها بدوره عندما يكبر لأطفاله لتحفيزهم.

وفي كل ربوع المملكة، ولتحفيز الصغار على إتمام يوم صيامهم، تخضب أيادي الفتيات الصغار بنقوش الحناء وتوضع دائرة في يد الذكور، وسط أجواء تملؤها زغاريد الأمهات المبتهجات بصوم صغارهن، والأصوات التي تصدح بالصلاة على الرسول الكريم، في جو احتفالي ينسي الصغار الإحساس بالجوع والعطش، ويقلع بهم إلى عالم تسمو فيه الروح، وتلبس القلوب فيه لباس التقوى والفرحة والافتخار والمسؤولية.  يقول الباحث العطري: «يشكل الاحتفال بالصيام الأول لدى الأطفال، طقسا “عبوريا” من سجل الطفولة إلى سجل الرشد، والذي يكون حاضرا بقوة في المجتمع القروي كثيرا، حيث نجد أن “حد الصايم” له دلالة قوية، لِكون الجماعة لا يمكن أن يلجها إلا من توفر فيه “حد الصايم”، أي الذي بلغ درجة البلوغ وأصبحت له إمكانية الحضور في سجل الراشدين.»

نفحات روحانية

خصوصية الأجواء الإيمانية والروحانية التي تميز ليلة القدر، تعكس مظاهر التدين لدى المغاربة، وتشبثهم بالنفحات الربانية التي تتضاعف فيها الأجور، ويزداد خلالها المؤمن قربا من ربه، طمعا في رحمته ونيل رضاه، كما تعكس قيم التضامن والتكافل وتربية الجيل على العبادة. ففي جميع المناطق من الشمال إلى الجنوب، يحرص الآباء على اصطحاب أبنائهم لأداء صلاة العشاء والتراويح بالمساجد وقضاء جزء من الليل في العبادة.كما يحرص المغاربة على التزاور وعلى صلة الرحم في هذه الليلة.تعطر ربات البيوت منازلهن بالبخور، وتقمن بإخراج الصدقات ونشر الفرح. ومن بين العادات في هذه الليلة في مناطق الجنوب الشرقي، يقوم الرجال والنساء والأطفال بالتزين بالكحل. إذ يتداولون بينهم أن كحل ليلة السابع والعشرين من رمضان يحيي سبعة عروق في العين. يقول الدكتور عبد الغني منديب في كتابه ليلة 27 من رمضان، بأنها: «تمثل ذروة القدسية والبركة، إذ تُعرف كوقت مقدس متميز تُقدّر فيه جميع الأقدار، وتكون فيه أبواب السماء مفتوحة أمام دعوات السائلين وتعرف أجواء احتفالية متنوعة. ويتم خلال هذه الليلة تطييب البيوت بالبخور، وتوزيع الصدقات وصلة الرحم، ويرتدي الصغار في هذا اليوم وهم يتوجهون إلى مدارسهم اللباس التقليدي، حيث تنظم لهم احتفالية بهذه المناسبة، وتؤخذ لهم صور باللباس التقليدي. وتجتمع الأسر على وجبة الكسكس، فيما تتنافس النساء على إرسال “قصعات” منه إلى المساجد لإطعام المصلين خلال فترات الاستراحة التماسا للأجر والثواب».

موائد عامرة وأضواء مستنيرة

بعد مائدة الإفطار العامرة بما لذ وطاب من المأكولات الشهية،”قصرية” الكسكس طبق رئيسي في ليلة السابع والعشرين من رمضان. تتنافس النساء في بعض المدن المغربية على تحضيره للمصلين في المساجدطلبا لأجر إطعام المصلين المتهجدين. بمدينة تارودانت، تقول السيدة هند الحسايني رئيسة جمعية “بحاير الدالية” أن لهم تقاليد آخر: «في ليلة السابع والعشرين من رمضان تنار جميع أضواء المنزل والمدينة أكثر من المعتاد.بالنسبة لنا،لا يمكن أن نفوت فرصة الاجتماع في بيت جدتي،يأتي كل الافراد في تجمع عائلي كبير. نتناول وجبة الإفطار معا. بعدها نتهيأ للذهاب إلى المسجد. نرتدي لباسنا التقليدي ونتعطر ونقصد بيت الله لأداء صلاة العشاء والتراويح معا رجالا ونساء. بعد الصلاة، نعود إلى البيت لتناول وجبة العشاء. هذه الوجبة تكون خاصة. فالعادة عندنا ليس طبق الكسكس، بل تحضير أطباق الدجاج “البلدي” . وهو طبق رئيسي لا يمكن الاستغناء عنه في هذه الليلة المباركة ويدخل في سلسلة التقاليد والعادات عندنا حتى أصبح طقسا من الطقوس الروحانية.»

في مناطق أخرى، تقوم النساء في ليلة القدر بتحضير طبق تقليدي آخر لوجبة العشاء، ألا وهو طبق “الرفيسة” بالدجاج “البلدي” ومزين ببيض السمان واللوز.

وبعد الانتهاء من وجبة العشاء تعد النساء الشاي المغربي، مرفوقا بالفواكه الجافة والحلويات حسب تقاليد كل منطقة. تقديم الشاي مع الفواكه الجافة في أطباق تقليدية من أهم مميزات مجتمعنا المغربي، فلا يحلو شرب فنجان الشاي دون الفواكه الجافة مثل اللوز والتمر والتين والفستق والجوز وغيرها.

تبقى هذه الطقوس الخاصة خالدة من وحي الذاكرة التراثية الشعبية، التي أبدعها المغاربة منذ مئات السنين. والأمهات والجدات بوصفهن حارسات التقاليد، تشجعن بناتهن على القيام بها وإحياء ما استطعن منها، وينقلنها شفاهيا للأبناء والأحفاد لكي تظل حية في الذاكرة.

 

 

 

اترك تعليقاً

Exit mobile version