13, فبراير 2026

 

ليلى خزيمة

حكاية اليوم سيدي القارئ هي تتمة لبهجة استقبال شهر رمضان. فإذا كان المغاربة يباركون هذا الشهر بعبارة ” عواشر مبروكة”، فإن صوتانآخران يزكيان شعورهم بالفرح لقدومه. أول طلقات مدفع رمضان وصوت “الزواكة”، هي إيذان بدخول الشهر الفضيل. آلتي حرب أصبحتا تعبران عن أسمى معاني السرور في الشهر الكريم.

الصدفة، نقطة البداية

رغم التطور التكنولوجي وتعدد وسائل التواصل، فالعديد من الدول الإسلامية، لازالت تعتمد المدفع في شهر رمضان. فصوته إيذانا بحلول شهر الغفران هو تغريدة سنوية تبهج الصغير والكبير. ويقال أن حقيقة أصله تختلف عليها روايات ثلاث،لكن تجمع كلها على أنه ظهر في مصر أولا.

فالرواية الأولى تقول، أن السلطان المملوكي خوشقدم تلقى سنة 865 للهجرة الموافق لسنة 1467 م، مدفعا هدية، فأمر جنوده بتجربته. وتزامنت تجربة مدا صلاحية المدفع مع غروب الشمس خلال أول أيام الشهر الفضيل.فظن الناس أنه تقليد جديد بدأه السلطان للتنبيه بموعد الإفطار. فتوجهوا إلى قصره بالقلعة، ووجهوا له الشكر على هذا الأمر، فاستحسن السلطان الفكرة، وقرر استمرار إطلاق المدفع طوال الشهر الكريم.

فيما تشير الرواية الثانية، إلى أن بداية هذا التقليد، تعود إلى عصر والي مصر محمد علي الكبير مؤسس مصر الحديثة سنة 1805.كان هذا الأخير قد اشترى العديد من المدافع من ألمانيا، وكانت تجري تجربتها وقت غروب الشمس خلال أول أيام شهر رمضان. وفور انطلاق المدفع اعتقد سكان القاهرة أن هذا الأمر مقصود بغرض تنبيهم لوقت الإفطار. فظل صوت المدفع منذ ذلك الوقت تقليدا رمضانيا.

أما الرواية الثالثة، فتوثق لهذه العادة في زمن الخديوي إسماعيل. كان جنوده يقومون بتنظيف أحد المدافع وقت إفطار أول أيام رمضان، فانطلقت منه قذيفة بالمصادفة سمع دويها في سماء القاهرة، فاعتبرها الصائمون إيذانا بموعد الإفطار.

فتطور هذا التقليد الذي جاء بمحض الصدفة، عبر السنين وانتشر في العديد من الدول الإسلامية، ومن بينها المغرب.

من الأصوات الروحانية بالمغرب

في المغرب، صوت المدفع هو أيضا للإعلان عن أوقات آذان صلاة المغرب وآذان الفجر. وهو وسيلة اعتمدت لإيصال المعلومة وتنبيه الصائمين في رمضان ببدء الصيام، خاصة ممن يقطنون بعيدا عن المساجد ولا يسمعون صوت المؤذن.يقول الفشتالي عن مدافع فاس: «وإذا استهلت رعودها في العيدين من المصلى أو لورود بشارة عظمى، فلا تسأل عن دوي الأرض وجفافها.. ويمتد على البلدين ركام البارود كأنما هو ليل مطبق.».

صوت تطرب له الاذان، دخل المغرب في زمن لم تكن مكبرات الصوت قد خرجت بعد للوجود، في عهد المنصور الذهبي، الذي أرسي عادة ضرب المدفع بمناسبة عيد الفطر وعيد الأضحى ولزف البشائر. ومنذ ذلك الحين، ورغم التطور التكنولوجي، ضل المدفع يحتفظ عند المغاربة بمكانة خاصة كأيقونة شهر الصيام، ويجذب الكثيرين حوله مع قدوم الشهر الفضيل. فصوته يجلب السعادة ويحيي العادات القديمة، لما يكتسيه من رمزية في الذاكرة الجماعية للمغاربة.

فيتم سنويا تجهيز المدفع بالذخيرة اللازمة وهي عبارة عن “قذائف صوتية” يتم استخدامها طوال شهر رمضان. حتى وإن تبدل شكل المدفع وكيفية ضربه، إلا أن لصوته دويا يدخل البهجة إلى قلوب الصائمين عند أذان المغرب فرحا بالإفطار، ويعطي إشارة السباق إلى تحضير السحور قبل أن يعلن عن الإمساك قبيل أذان الفجر. يقول الباحث في قضايا الهوية واللغة عبد الله النملي: «في القديم كان الآذان هو الوسيلة الوحيدة للإعلان عن وقت الإفطار والإمساك في رمضان بالمغرب، وكان أذانان قبيل الفجر… إن استخدام المدفع جاء نتيجة اتساع المدن وتباعد المساجد. ويبلغ مجموع الطلقات التي تطلق منذ دخول شهر رمضان حتى الإعلان عن يوم عيد الفطر حوالي 100 طلقة».

صوت المدفع هذا ليس الوحيد الذي تغير مفهومه عند المغاربة خلال الشهر الفضيل. فبموازاته في العديد من المدن المغربية، يسمع صوت “الزواكة”. هي أيضا كانت تستعمل للإنذار.  ظهرت بالمغرب مع دخول الاستعمار، حيث جرى إحداثها من لدن السلطات الفرنسية إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية من أجل استغلالها كصفارة للإنذار خلال إعلان حالة التأهب بالمدينة وحظر التجوال فيها، والإشعار بأي هجوم مفاجئ. لتنتقل بعد ذلك وتدخل ضمن طقوس رمضان المتوارثة منذ عقود، للإعلان عن آذان المغرب.تطلق “الزواكة” منبها صوتيا يدوي حوالي أربع دقائق، يبدأ مرتفعا حتى يصل إلى نقطة قصوى ثم يعود لينخفض تدريجيا.

وإذا كان صوت المدفع يسمع مباشرة قبل الآذان، فإن صوت “الزواكة” ينطلق مباشرة بعد نهاية صوت المؤذن. يحرص العاملون المكلفون بالألتين على احترام هذا التقليد المتعارف عليه، مما يسمح بعدم المساس بقدسية الأذان، وفي نفس الوقت المحافظة على هذه العادة الراسخة في الموروث الشعبي المغربي. يقول المؤرخ حسن أوريد: «المنطقة التي نشأت فيها كانت تتوفر فقط على الزواكة. وأذكر أنه عندما كنا صغارا، كنا نخرج قبيل آذان المغرب لسماع صوتها.» وعن معنى الكلمة يقول: «”الزواكة” هي كلمة أمازيغية تعني الصراخ. كما نقول في الدارج اليومي “زكى” الطفل بتثليث الكاف بمعنى صرخ.أطلقت على الآلة التي تستعمل للإعلان عن وقت الإفطار، لكن الآذان يبقى هو الأداة الأساسية لذلك.»

مكونات المدفع والزواكة

في البداية كان المدفع يعمل بالذخيرة الحية . ومع مرور الوقت واتساع الأبنية، بدأ يعمل بذخيرة صوتية. المدفع عبارة عن ماسورة من الصلب ترتكز على قاعدة من حديد، ذات أنبوب معدني يقذف كتلة متفجرة تدعى قذيفة. ويتكون المدفع من سلك المشعل، وحجر بطارية، وسلك حديد لاستخدامه في إطلاق القذيفة. وتختلف المدافع في عيارها ومداها وسهولة حركتها ومعدل الإطلاق النيراني وزاوية الإطلاق وقوة النيران. وقد ظل مدفع رمضان يعمل بالذخيرة الحية لعقود طوال، قبل أن يستبدله المغاربة بكرات من البارود، تُحدث دويا هائلا عند كبسها في ماسورة المدفع وإطلاقها، إلى أن ظهر جيل جديد من المدافع التي تعمل بالذخيرة غير الحقيقية.وتم تحسين تصميم المدفع ليكون أكثر أمانا ودقة، وفي بعض الأماكن يتم تقديم عروض فنية مصاحبة لإطلاق المدفع في إطار احتفالي، وخاصة في اليوم الأول من الشهر الفضيل.

أما “الزواكة”، فتتكون من عدة أجزاء، من بينها ثمانية مكبرات للصوت، في شكل دائري مُصوَّبة نحو جميع الاتجاهات، وقمرة تحكم، فضلا عن محرك يعمل بالكهرباء مرتبط كذلك بمولد احتياطي يشتغل بالبنزين يتم تشغيله لإطلاق صوت الصفارة في حالة انقطاع التيار الكهربائي.

يقول النملي: «رغم كثرة مساجد المغرب ومآذنه، يبقى المدفع و”الزواكة” من التقاليد الراسخة في شهر رمضان، لكنهما في السنوات الأخيرة يُواجهان محنة حقيقية، ويُجاهدان من أجل البقاء كتُراث رمضاني مُهدد بالانقراض.»

بالفعل، رغم كثرة المساجد وتطور التقنيات، يبقى صوتي مدفع رمضان و”الزواكة” خَليلَيْ الصائمين في شهر البركات بالمغرب.وخير دليل هو تواجدهما في المدن الكبرى مثل العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء،وتجاوزهما لجائحة كورونا التي ضربت المغرب والعالم.فقد ظل هذين الصوتين حاضرين يؤرخان لعادات وتقاليد دينية واجتماعية وثقافية متجذرة في الذاكرة الجماعية للمغاربة.فهما صوتان يدغدغان المشاعر ويرسخان ثقافة تعيد الأمل والفرج بعد الصبر، كما هو حال الأصوات في مجمل الطقوس الدينية التي ارتبطت بالمكان والزمان الروحي.

اترك تعليقاً

Exit mobile version