13, فبراير 2026

ليلى خزيمة

 قبل خمسة قرون، سنة 1582 وبأمر من السلطان أحمد المنصور السعدي، تم تشييد حصن عسكري في الواجهة الشمالية لمراقبة مدينة فاس وحمايتها من التهديدات الأجنبية. وفي عام 1963، أصبح هذا الحصن متحفا للأسلحة، يضم حوالي 8 آلاف سلاحا تقليديا من 35 دولة، إضافة إلى المغرب. يستوحي تصميم البرج شكل القلاع البرتغالية التي كانت موجودة خلال هذا القرن. وقد عرف في كتب التاريخ ببرج النار.

تم تقسيم قاعات العرض داخل متحف الأسلحة بفاس باحترام التسلسل الزمني لظهور واستعمال مختلف أنواع الأسلحة. وخصصت كل قاعة من قاعاته، البالغ عددها 15 قاعة، لعرض مختلف الأسلحة التي ميزت كل حقبة زمنية على حدا، بدءا بالأسلحة البيضاء، مرورا بالأسلحة التي استعملت أول نظام لإطلاق النار في التاريخ، ووصولا إلى الأسلحة النارية الأوتوماتيكية.

يحتوي المتحف، الذي تم إنشاؤه أساسا بفضل التبرعات الملكية، على مجموعة متنوعة من الأسلحة تتيح للزائر فهم وتحليل الحضارات المختلفة عبر التاريخ بشكل أفضل. ومن أكثر القطع الملفتة للنظر فيه مدفع برونزي مغربي يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر، طوله خمسة أمتار، استخدم أثناء معركة الملوك الثلاثة.

تم وضع هذه المجموعة سابقا بقصر البطحاء، وهي مقتناه في معظمها من مصنع السلاح بفاس، الذي يعرف باسم “الماكينة”، الكائن بجوار ساحة باب الماكينة وهي ترسانة أسسها السلطان مولاي الحسن الأول في نهاية القرن التاسع عشر.

رحلة عبر التاريخ الحربي

مباشرة عند المدخل، يستقبلك سيفان وبندقيتين من جنوب المغرب. وما أن تلج أول قاعة للعرض حتى يعود بك الزمن إلى حقبة ما قبل التاريخ من خلال مجموعة الفؤوس والحصى المرتبة والسيقان والسواطير وغيرها من الأسلحة التي كانت تستعمل للصيد وللدفاع أنداك. تستمر الرحلة في القاعة الموالية حيث تعرض الأسلحة البيضاء من خناجر وفؤوس وحراب ورماح، ثم السيوف المغربية ومن مختلف البلدان منها إندونيسيا، الجزائر، الهند، الصين، تركيا، السودان، فيتنام، ألمانيا، إسبانيا، إيطاليا، بلاد فارس وإنكلترا.

الخناجر المغربية ومن دول أخرى كان لها أيضا نصيب من العرض، مثل الخنجر الإندونيسي من القرن السابع عشر المعروف في عهد سلالة ماتارام الملكية. تم التبرع به للمتحف من قبلوي يوغوأتموداري مونت حاكم جاكرتا ويسمى“كريس”.

لتستقبلك في القاعة الموالية أسلحة عسكرية من نوع آخر منها خوذات بولندية وإيرانية ودروع وشارات من بداية القرن التاسع عشر. نسخ من دروع إيطالية مختلفة الأشكال تحمل عدة تمثيلات لمشاهد من الحرب، وسلاح إيطالي وآخر فرنسي. هذه التمثيلات تعرض أيضا من خلال الصور الفوتوغرافية لتحصينات مختلفة مثل قلعة الحصن،والمخطوط الإسباني “أتتيكواس دي ألفنصو ساخ“، الذي يعود إلى حوالي سنة 1250 هـ. هذا الأخير، يمكن من إجراء مقارنة ما بين أسلحة الجيش الموحدي والجيش الإسباني. فهو يوضح أن الجيش الموحدي مكون أساسا من فرقة خيالة خفيفة تشكل الدروع الجلدية الملونة والسهام الطويلة أسلحتها الأساسية، أما خيالة الإسبان فمدرعة بخوذات وتروس ودروع معدنية وتهاجم بواسطة السيوف. كما توجد ثلاث قذائف هاون بما في ذلك واحدة ذات دعامة خشبية وبنادق “متراس” يعود تاريخها إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وحسب توضيحات المتحف، فإن الجيشين الموحديوالمرابطي، كانا يتكونان من فرق خيالة خفيفة وسريعة الحركة، يتشكل سلاحها أساسا من دروع جلدية ونبال طويلة، تنضاف إليها السيوف المعقوفة (النمشا)، والسيوف المستقيمة والقصيرة (سيولة). وظل المغرب ملازما لهذا النوع من الأسلحة البيضاء لقرون عديدة.

وتوضح وثائق المتحف أنه تم تأسيس مصانع للأسلحة البيضاء في عدة مدن مغربية منذ سنة 1160 م، في عهد السلطان المومن الموحدي. وخلال القرن 15،اشتهرت مصانع الأسلحة بفاس بصناعة الدروع والسيوف وترجع بعض السيوف المعروضة بالمتحف إلى عهد السعديين.

وحسب ما يذكره ملصق كتب بباب القاعة الثالثة: «ظل المغرب إلى غاية نهاية القرن 19 وفيا لأسلحته البيضاء ذات الطابع المحلي، من سيوف وخناجر ورماح ونبال. وقد كان لسيف “النمشا” تأثير واضح على بعض السيوف الأوربية الفرنسية والإيطالية، ومنها على سبيل المثال السيوف الخاصة بضباط نابليون. وأن بقية أرجاء العالم الإسلامي غلب عليها الطابع العثماني والفارسي.. وكانت أكثر الأسلحة البيضاء تداولا بها، إلى غاية نهاية القرن 19، سيوف “الياطغان”و”القليج” وخناجر “الجامبيا” التركية، وكذا سيوف “الشمشير” الإيرانية»

أما القاعة الموالية،فتؤرخ لأول استعمال للأسلحة النارية من خلال عرض نوعان من أقفال الصوان وموزعات الرصاص مع الملحقات، وقوالب الرصاص، ومتفجرات من نهاية القرن التاسع عشر تم العثور عليها في “الماكينة” بفاس. وكذلك أنواع مختلفة من البنادق من القرن الخامس عشر. كما يوجد أيضا مدفع رشاش من نوع “هوتشكي” من بداية القرن العشرين.

القاعة السادسة تستأثر بعرض مدفع رشاش فرنسي تم استخدامه في الحرب العالمية الأولى. مدفع رشاش بلجيكي آخر صنع في بروكسل عام 1871. وهناك أيضا أسلحة نارية ومخازن بارود مغربية توضح الفرق بين الجنوب والشمال والأطلس الأوسط. فهي متنوعة، تأخذ شكلها اعتمادا على المنطقة والمواد التي يتم تصنيعها فيها. فهيإما مستديرة أو بيضاوية أو مسطحة أو على شكل كمثرى أو على شكل قرن. بعضها مغطى بالأزرار والجلد والفضة ومنقوش عليه تصميمات مجردة. كما نجد بنادق “بلندربوس”، وهي بنادق ذات حراب تحولها إلى حراب أثناء القتال بالأيدي. كما توجد هناك خراطيش مقذوفات ومتفجرات وبارود ورصاصا ومخازن رصاص وبنادق من دول إسلامية وأوروبية، بالإضافة إلى بنادق من نوع “سبنسر” فائق السرعة الذي استخدم في الحرب الأمريكية عام 1865.

الفضاء الثامن، فيحتوي على المسدسات من المصنوعات القديمة في القرن السادس عشر إلى المسدسات الآلية من النصف الأول من القرن العشرين. ومن بينها مجموعة المسدسات “كولت” الأمريكية.

لتجد نفسك بعدها داخل غرفة مخصصة للصيد، فيها الأقواس، والمقلاع، ورأس الجاموس الأفريقي، والرماح، والفخاخ وذخائر الصيد والرمايةوبندقيتان للصيد من تونس مصحوبة بمخزن مسحوق عاجي وبنادق صيد أوروبية، تعود إحداها إلى القرن الخامس عشر. وهي أقدم بندقية في المتحف.

الفضاء العاشر، فيه بشكل خاص مدافع مغربية، بما في ذلك مدافع برونزية يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر، ومدافع أوروبية، منها تلك الإسبانية التي صنعت سنة 1606، وأربعة مدافع من نوع “جيريبوفال” يعود تاريخها إلى 1763 وأخرى أهداها الملك غوستاف الثالث ملك السويد إلى سلطان المغرب. كما توجد قذائف مدفع بأقطار مختلفة ومعدات مغربية الصنع لتنظيف المدافع.

تحتوي مجموعة الغرف الثلاث الموالية على بنادق من شمال وجنوب المغرب، استخدمت خلال معركة وادي المخازن عام 1578.وسيوف المدينة أو الريف وسيوف “السبولة” الصغيرة.بينما تعتز الغرفة الرابع عشرة بعرض سرجان للخيول المغربية من القرن التاسع عشر. لتجد في الغرفة الخامسة عشر مجموعة جميلة من خناجر القرن التاسع عشر المزخرفة بشكل غني وأبرزها: الخناجر ذات الحلق على شكل ذيل الطاووس والخناجر ذات الحلق على شكل قبعة الدرك.

في نهاية هذا السفر المدجج، ستجد عند قاعة الخروج بندقيتين مغربيتين شماليتين ومدفع برونزي مغربي يعود تاريخهما إلى القرن السادس عشر. يعد هذا العمل الأكبر والأفخم في المتحف (وزنه 12 طنا وطوله 4.80 مترا)، وعربته الخشبية والبرونزية معروضة خارج المتحف بالقرب من المخرج. ووفقا للروايات الشفهية، تم استخدام هذا المدفع العملاق، المسمى “سيدي ميمون”، خلال معركة الملوك الثلاثة.

يعتبر متحف فاس للأسلحة أكبر متحف في إفريقيا من هذا النوع، ليس فقط بعدد القطع التي يحتوي عليها، بل أيضا بجودته. فبالإضافة إلى المجموعة الشاملة التي تظهر تطور تقنيات صنع الأسلحة عبر التاريخ، يوفر المتحف جولة ثقافية وفنية انطلاقا من تاريخ النقوش الموجودة على الاسلحة وكذا إطلالة خلابة على المدينة من خلال شرفته العلويةوالتي تغريك بزيارة العاصمة العلمية.

 

اترك تعليقاً

Exit mobile version