بعثة a24- امال المنصوري- احمد العلمي
عادت الحركة تدريجيا إلى مدينة مراكش، بعد أسبوع من الزلزال الذي ضرب المغرب وخلف آلاف القتلى والمصابين.
وعاينت بعثة الموقع، يوم السبت المنصرم، أعدادا كبيرة من السياح في أغلب المناطق السياحية بمراكش، بعدما وضعت السلطات المحلية حواجز لتأمين مرور السياح وعموم المواطنين في أزقة المدينة العتيقة، في مناطق تضم مباني وأسوار عتيقة ظهرت عليها بعض الشقوق تضررت من الزلزال.
أينما توجهت في مراكش يمكنك مشاهدة فرق الإنقاذ، تعمل على حصر الأضرار والترميم التنظيف، من بينها فرق إحصاء الأضرار بالمباني الأثرية والتراثية في المدينة.
وحسب المعطيات التي حصلت عليها “الجريدة”، فإن لجنة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة المعروفة اختصارا باليونسكو، حلت بمدينة مراكش، مباشرة بعد الزلزال الذي ضرب إقليم الحوز، من أجل تنسيق الجهود مع السلطات المختصة لوضع خطة لتأهيل وإعادة الأماكن الأثرية إلى حالتها الأولى، بالمدينة العتيقة لمراكش، التي تم تسجيلها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وكشفت حصيلة مؤقتة للخسائر المادية للزلزال، عن تعرض 57 منزلا لانهيارات جزئية بالمنطقة التابعة إداريا لملحقة جامع الفنا لوحدها، بينما وصل عدد المحلات التجارية المنهارة جزئيا إلى 23 دكانا. وحسب المعلومات التي توصلت بها “الصحراء المغربية”، فإن 28 منزلا مسجلا كحصيلة مؤقتة للدور السكنية المتضررة من الهزة الأرضية بحي باب الفتوح لوحده المحادي لساحة جامع الفنا، والتابع لمقاطعة مراكش ـ المدينة وتسبب زلزال الحوز، في تغيير ملامح معالم أثرية وتاريخية يعرف بها المغرب ويصنف بعضها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
**ساحة جامع الفنا إرث ثقافي وانساني.. عادت الحياة إليه بعد الزلزال
وتشكل ساحة جامع الفنا في مدينة مراكش، إرثا ثقافيا وإنسانيا، فهي تعتبر، بتصنيف اليونيسكو، إحدى أهم الساحات التقليدية عالميا، التي ما تزال تحافظ على العروض الحية للفنون الشعبية والحكواتية في الهواء الطلق.
ساحة جامع الفنا هو فضاء شعبي للفرجة والترفيه للمحليين و السياح بمدينة مراكش بالمغرب، وبناءا على ذلك تعتبر هذه الساحة القلب النابض لمدينة مراكش حيث كانت وما زالت نقطة التقاء بين المدينة والقصبة المخزنية والملاح، ومحجا للزوار من كل أنحاء العالم للاستمتاع بمشاهدة عروض مشوقة لمروضي الأفاعي ورواة الأحاجي والقصص، والموسيقيين إلى غير ذلك من مظاهر الفرجة الشعبية التي تختزل تراثا غنيا وفريدا كان من وراء ترتيب هذه الساحة تراثا شفويا إنسانيا من طرف اليونيسكو.
ويرجع تاريخ ساحة لفنا إلى عهد تأسيس مدينة مراكش سنة ( 1070-1071)م ، ومند ذلك التاريخ وهي تعد رمزا للمدينة ، يفتخر بحيويتها وجاذبيتها كل من مر منها من المسافرين .
**صومعة الكتبية .. ترنحت ولم تقع

في ليلة الثامن من شتنبر الجاري، اهتزت الأرض بمدينة مراكش مخلفة خسائر مادية وضحايا ، بعد تسجيل زلزال بقوة 7 درجات على سلم ريختر بمنطقة الحوز، قوة هذا الزلزال أصاب مباني أثرية تعد معلمة بالمدينة الحمراء، حيث ترنحت صومعة الكتبية وصعد منها غبار أبيض أقضت مضجع سكان مراكش، الكل كان مندهشا مما حدث ومما سيحدث، معلمة بهذا الحجم والسنين تترنح بعد الهزة الأرضية، معلنة نهاية إرث ثقافي، لكن للقدرة الالاهية دور في أن تجعل هذه المعلمة صامدة تأبى الرحيل.
خلال زيارتنا للمدينة، شاهدنا تدخل رجال السلطة، إذ قاموا بوضع الحواجز في المناطق التي تضررت وظهر بها تشققات، والصومعة التاريخية التي تعود للعصر الموحدي، هي الأخرى عرفت تدخلا مستعجلا حتى يتجنب السياح والزوار الاقتراب من الصومة والجدران المحيطة بها لأن التصدعات بادية للعيان.
ويعد مسجد الكتبية في مراكش، من أعرق المساجد المغربية الموجودة الآن، إذ بني سنة 1147م على أنقاض أحد القصور المرابطية القديمة. وتبلغ مساحته 5300 متر مربع، ويتكون من 17 جناحًا، و11 قبة مزدانة بالنقوش، ويظهر فيه بوضوح طابع العمارة الأندلسي. وأثناء الاحتلال الفرنسي للمغرب، تم تطوير شبكة الطرق، واعتبر المسجد نقطة مركزية لالتقاء الطرق في المدينة.
في الغرب والجنوب من المسجد، توجد حديقةُ زهورٍ بارزة، وقريباً منه يوجد متحف يوسف بن تاشفين، مُؤسّس مدينة مراكش، ويحتوي على ضريح بسيط له. وفي ساحة مسجد الكتبية، يمكن رؤية بقايا المسجد القديم. ومئذنة المسجد هي إحدى المعالم البارزة في مراكش. واسم المسجد مأخوذ من بيع الكتب، إذ كان هناك سوق كبير وشهير لبيع الكتب في منطقة المسجد.
كان قد سيطر على مدينة مراكش الموحدون بعد وفاة زعيم المرابطين، علي بن يوسف، عام 1147. وكان الموحدون لا يرغبون في بقاء أي أثر من الآثار الدينية التي بناها المرابطون بسبب العداوة الشديدة بينهم. ولأنهم يعتقدون بأن المرابطين من الزنادقة المارقين عن الدين، لذا كان الخليفة عبد المؤمن بن علي الكومي، الذي ظفر بالإقليم، هو المسؤول عن بناء مسجد الكتبية على أرض القصر الذي كان يقطنه في السابق علي بن يوسف في الربع الجنوبي الغربي من المدينة.
وهكذا بني المسجد الذي كان أوَّل مسجد يقيمه الموحدون عام 1147، وانتهى بناؤه تماماً في عام 1157. وفي عهد الخليفة الموحدي، يعقوب المنصور، أُعيد بناء المسجد بعد اكتشاف أن محراب المسجد منحرف عن اتجاه القبلة الأصلية بمكة المكرمة. وخضع المسجد لتغييرات كثيرة حتى نهاية القرن الثاني عشر.
عندما هزم الأندلسيون الدولة الموحدية، كانت مشكلة انحراف القبلة بالنسبة إليهم مسألة ثانوية، على أساس أن المصلين يمكنهم دائماً ضبط اتجاه صلاتهم عندما يقيمون الصلاة في ساحة المسجد. ولكن الأندلسيين اتخذوا قراراً ببناء مسجد جديد بمحاذاة هيكل المسجد الأول. وتم إكمال المسجد الأول في الوقت نفسه الذي كان يجري فيه بناء المسجد الثاني.
جاء المسجد الثاني مطابقاً للمسجد الأول، ما عدا اتجاهاته، لكن التصميم المعماري والنقوش والأبعاد والمواد المستخدمة كانت هي نفسها، كما بقيت المئذنة والتصميم نفسه في المبنيين. لكن بينما كان المسجد الأول يتجه خمس درجات بعيداً عن اتجاه القبلة، جاء المسجد الثاني خارجاً عن اتجاه مكة بعشر درجات، أي ضعف الانحراف الذي كان في الأول.
المسجد مبني في معظمه بالحجر الأحمر، وعرضه 80 متراً نحو الشرق و60 متراً نحو الغرب، وله ستة غرف متتالية الواحدة فوق الأخرى، حتى يمنع أي أحد يحاول التحديق إلى حريم الملك. وحتى يومنا هذا، لا تزال تلك القيود على الزائرين مستمرة، حتى أن الوصول إلى برنامج “غوغل إيرث” لمشاهدة هذه المنطقة ممنوع على المغاربة.
وللمسجد مئذنة واحدة، يبلغ طولها 77 متراً، وتاريخيا كانت هذه المئذنة المميزة بزخارفها بمثابة المنبر لإعلان القرارات المهمة على الناس، وخصوصاً القرارات السياسية الكبرى والفرمانات الأساسية. كما كانت ساحته ملتقى للعديد من الأحداث التاريخية، وعقدت فيه الكثير من الاتفاقيّات.
حي الملاح ومسجد خربوش

إلى جانب جامع الكتبية، ضرب الزلزال مواقعا تاريخيا آخر، كمسجد خربوش الواقع شمال شرقي ساحة الفنا، بالقرب من سوق السمارين الشهير. وإذا كان مسجد خربوش ليس بشهرة الكتبية، إلا أنه أحد معالم مراكش التاريخية، إذ نال مسجد خربوش نصيبا من الكارثة، وخصوصا صومعته التاريخية. بالقرب من زقاق القصابين التجاري، وغير بعيد من ساحة جامع الفناء يتواجد جامع خربوش . نسبة الى امحمد بن الحاج خربوش الذي قام بتوسعته وتجديد معالمه في العشرينات من القرن الماضي .
المسجد في عهوده الأولى كان بدون صومعة ، ويقال أن صلاة الجمعة لم تقم فيه الا في سنة 1984 . وينفرد المسجد بكون الراية التي يرفعها المؤذن عشية الخميس لونها أزرق وليست سوداء كما في المساجد الأخرى. ويتم تبديلها قبيل صلاة الجمعة براية بيضاء. وللمسجد 3 أبواب ، كما كان في صحنه سابقا نافورة مزركشة بقرمود بديع .. و كانت بجوار المسجد رحبة للملح فتم ادماجها الى المسجد وتخصيصها كجناح للنساء .
كما تعرض الحي اليهودي أيضا المعروف باسم الملاح، لأضرار كبيرة، إذ تحول “الملاح”، الحي اليهودي بمراكش، إلى منطقة منكوبة بعدما تأكد لدى اللجان المختصة بتتبع آثار الزلزال على المباني أن الحي مهدد بالانهيار في أي وقت. هذا الحي مهدد بالسقوط بأكمله ولا يحتاج فقط إلى الترميم، بل إلى إعادة الهدم كليا ثم بنائه مجددا، لأن طريقة البناء جد قديمة ويصعب معرفة طبيعتها وهيكلتها وبالتالي فنحن نقول بأن جميع البنايات مهددة بالسقوط. كما طال الدمار عددا من قصور المدينة التاريخية، خاصة قصري الباهية والبديع.
