a24- ليلى خزيمة
الحفاظ على التراث غير المادي أصبح من الضروريات التي تصون وتوثق للمميزات المجتمعية وتعبر عن نمط عيش الشعوب.
تراثنا المغربي كما هو معروف يزخر بالعديد من الموروثات التي تعطي نظرة واضحة عن تنوع ثقافتنا وغنى معارف أسلافنا. من بينها تقنية ومعارف الخطارة.
هي تقنية مبتكرة.يقول البعض أن تاريخها يعود إلى القرن السادس عشر الميلادي. «ويكتنف تاريخ ظهور الخطارات بالمناطق الجنوبية للمغرب الأقصى غموض كبير. وأول إشارة حول هذه التقنية وردت عند الإدريسي في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي في معرض حديثه عن مدن فزان بما فيها جرمة و تساوة، حين ذكر أن هاتين المدينتين يقرب بعضهما من بعض. وبينهما نحو مرحلة أو دونها في العظم وكثرت العامر سواء، ومياههم من الآبار وعندهم نخيلات ويزرعون الذرة والشعير ويسقونها بالماء نطلا بآلات يسمونها أنجفةوتسمى ببلاد المغرب هذه الآلة بالخطارة…ومهما كان من أمر في أصل الخطارة وتاريخ دخولها الى بلاد المغرب، فإن أقدم خطارة لإقليم سجلماسة اليوم يعود إلى القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي.» حسن حافظي علوي سجلماسة وأقاليمها ص 74 / 75.
الخطارة هيإرث إنساني يبرز بوضوح عبقرية الانسان المغربي وإبداعه وتفننه في المحافظة على أثمن الهبات الربانية، الماء.يرجع أصل تسميتها بالخطارة إلى مخاطر عملية الحفر والتشييد التي أودت بحياة العديد مما ساهموا في إنشائها. هي أسلوب حياة اعتمده سكان الواحات حفاظا على مصدر الحياة وبذلوا الغالي والنفيس من أجل ابتكاره. لدى وجب الاعتناء به وترسيخ الوعي بقيمته سواء الاجتماعية أو الإنسانية أو البيئية أوالثقافية.
الانتماء الجغرافي والشكل الهندسي
واحدة من أعرق أنظمة السقي التقليدية الذكية بالمغرب، حيث تمتد لأزيد من ألف سنة. تقنية تحت أرضية في مجال السقي التقليدي تعتمد في المناطق القارية وتتواجد بكثرة في مناطق الجنوب الشرقي، خاصة بقرى جهتي درعة تافيلالت ومراكش آسفي.يمكن التعرف على الخطارة بفضل أكوام الطين الصغيرة التي تغطي الآبار التي تتكون منها. تحفر الخطارة بقوة اليد،وهي عبارة عن قناة مائية باطنية تحت الأرض يصل طولها إلى حوالي 45 كيلومترا، وعلوها إلى 15 مترا وعرضا إلى 3 أمتار وتبنى على شكل رواق أفقي من منحدر خفيف يمتد لعدة كيلومترات. تتناثر على امتداد مسافات متساوية من هذا الرواق مئات المضخات التي يمكن أن تصل إلى عمق ما فوق 20 مترا. ويختلف ذلك حسب موقع ومنطقة كل خطارة، وتستعمل لجلب المياه من المرتفعات لسقي الأراضي السفلى عبر نظام الجاذبية، بينما تتقطع القناة بمئات الآبار تتباعد عن بعضها بمسافة تتراوح ما بين 5 إلى 25 مترا. يقول حسن حافظي علوي في كتابه سجلماسة وأقاليمهاالصفحة 73: «والخطارة التي تعرف في بعض مناطق بلاد المغرب بالفوكارة عبارة عن آبار عديدة تتصل فيما بينها بنفق يحمل المياه عبر مسافة طويلة من منابعه إلى مقاصده. ولا يمكن استغلال الماء بهذه الطريقة إلا إذا توفرت بعض الشروط حصرها بعض الباحثين في ثلاثة: أولها وجود المياه الجوفية على عمق غير بعيد عن سطح الأرض. وثانيها وجود انحدار في التضاريس. وأخيرا أن تكون التربة صلبة نسبيا وغير قابلة للرشحان حتى لا تتعرض آبار الخطارة للهدم». «تنتشر الخطارات اليوم بإقليم تافيلالت على الضفة اليمنى لوادي غريس. كما تنتشر بالمنطقة الواقعة بين وادي ايميضروفركلة. ويتراوح طولها بين مئات الأمتار وعشرون كيلومترا. أما عمق الآبار المكونة لها فما بين ستة وثمانية عشر مترا. وتتسع الساقية التي تربط الآبار فيما بينها لوقوف رجل تحسبا لإصلاحها. كما أن المسافة الفاصلة بين الآبار تتراوح ما بين 5 و30 مترا. آما اتجاه هذه الخطارات فهو موازي لاتجاه جريان المياه الجوفية». ص 74
تبنى على جنبات هذه المنشأة المبتكرة تنظيمات اجتماعية مختلفة وعديدة يرتكز فيها الناس نظرا لتوفر التدبير اليومي للمياه. وبالتالي تصبح الخطارة ملكا جماعيا للقرية، يمكن لكل فرد ينتمي إليها الاستفادة منها حسب توزيع محدد لساعات اليوم.
الخطارة المائية تراث إيكولوجي وإنساني
تعتبر الخطارة المائيةتراثا إيكولوجيا صديقا البيئة. فقد أدرك سكان الواحات منذ قرون ضرورة الحفاظ على البيئة وصيانتها لضمان الاستمرارية. فاعتمدوا نظام ري يقي من مخاطر التقلبات المناخية ويضمن موردا مستمرا للتزود بالمياه سواء للري أو لمختلف الأنشطة الفلاحية. مورد وتقنية لا انبعاث فيها لثاني أوكسيد الكاربون. فهذه المنشآت المائية تعتمد هيكل عمل تقني هيدروليكي وإيكولوجي ينقل الماء من جوف الأرض بشكل جاذبي عبر الصحراء القاحلة من أجل بناء وسقي الواحة. هذه العملية لاتحتاج إلى أي مجهود ميكانيكي، بل تتم بقوة الساعد، وبالتالي لاتتسبب في انبعاث أي غازات مسببة للاحتباس الحراري. ثورة علمية قبل ثورة مؤتمر الدول الصديقة للبيئة.
تقنية الخطارة مكنت من توسيع مساحة الأراضي الصالحة للزراعة وخدمت الأراضي الصحراوية من خلال إنشاء الواحات. فحسب الدراسات التي أجريت في الميدان، يقدر عدد الأشخاص الذين سيتفيدون بشكل مباشر أو غير مباشر من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بهذه المنشآت المائية بثلاث مائة ألف شخص.
كما تبين من خلال الدراسات مدى الارتباط الوثيق للساكنة القروية بالأرض في ضوء الخطارة التي تعمل بشكل جيد. فقد ساهمت هذه الأخيرة في محاربة التصحر والحيلولة دون الهجرة القروية بفضل توفير عامل الاستقرار للساكنة وإمكانية مزاولة النشاط الفلاحي المحلي خصوصا ما يتعلق بمنتوجات الأراضي الصحراوية. أما توزيع المياه على الواحات تبعا لنظام الخطارةفيتم حسب نهج ديمقراطي مبني على أساس تقاسم الماء بشكل متساوي. أما الآبار الموجودة في الخطارة، فتشكل سلسلة من القناطر على طولها، وقد شيدها الأقدمون كمنافذ للتهوية ولمساعدتهم في عمليات الحفر ونقل المياه للساكنة، إضافة إلى أنها تساعد على إصلاح الخطارة في حالة امتلائها بالحصى وتنظيفها وفق ما يسمى بعملية “الجهير“، حيث تشكل هذه الآبار مقاطع تقسم الخطارة إلى أقسام متساوية.
الخطارة، لُحمة اجتماعية ومورد اقتصادي
يرتبط تدبير الماء بالهوية المغربية والعادات الاجتماعية منذ الاف السنين. وما نظام الخطارة إلا دليل آخر على اللحمة الاجتماعية بين المغاربة. فعند المبادرة لحفر الخطارة، تقدم كل قبيلة فردا أو أكثر من أفرادها للمساهمة في عملية الحفر والإنشاء. عادة تعبر عن التلاحم والتعاون ونظام المساعدة الذي يجمع بين مختلف القبائل وهي طريقة كانت تسمى “بالتويزة”. وكل قبيلة كانت تتملك خطارة، وتستعملها في السقي وفي الاستعمالات المنزلية الخاصة بها وهو ما يسمى ب”نوبة حق الماء”. وتتراوح المدة الزمنية للاستفادة من هذا الحق من 45 دقيقة إلى 12 ساعة. فيما كانت القبائل التي لا تتملك خطارة، تقوم بشراء فترة زمنية في اليوم لاستعمال أحد أقسام الخطارة عبر بئر من الآبار، وذلك مقابل مبلغ مالي يعطى لأصحاب الخطارة. ويخضع توزيع مياه الخطارة لقانون عرفي صارم يسمح بالتوزيع العادل للمياه، حيث يتم توزيع المياه على كل مستفيد وفق ما بذله من جهد في أشغال حفر الخطارة وبناء آبارها، وذلك عبر حصص متساوية بين تلك القبائل المشاركة في الإنجاز.
ومياه الخطارة من أكثر مياه القنوات المائية الطبيعية نقاوة. فمثلا خطارات الرشيديةتسمح بنقل مياه صافية من الأتربة لأن المنطقة التي تشكل مصدرها معروفة بغياب الأوحال وعدم نمو النباتات فوقها.فقد كشفت دراسات علمية أجريت على المنطقة، أن نسبة تبخر المياه داخل هذه الخطارات كانت ضعيفة جدا، وهو ما يجعلها من أفضل القنوات المائية.
الخطارة، إرث حضاري مهدد بالاندثار
منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، أصبحت الخطارة التي استغرق تشييدها مئات السنين مهددة بالاندثار. فقد توقفت العديد منها بسبب فترة الجفاف التي ضربت المغرب حينها من جهة وتطور تكنولوجيا استخراج ونقل مياه السقي من جهة أخرى، خاصة بالطاقة الكهربائية والنفطية والشمسية. وهو ما جعل بعضالسكان يتخلون عن هذه التقنية التقليدية تدريجيا إلى أن توقفت نهائيا عن العمل. فبجماعة فركلة السفلى بإقليم الراشيدية جهة درعة تافيلالت وحدها تعاني ما يقارب 20 خطارة من التلف وسوء التدبير. الشيء الذي يهدد باندثارهاوتوقف عملها. حالة استوجبت التدخل السريع والإحاطة الفورية بالمخاطر التي تحدقبهذا الإرث الانساني اللامادي وصونه من التلف. مهمة أخذتها العديد من المؤسسات المدنية على عاتقها. فقامت بدراسات ومسح ميداني للخطارات. خلصت معظم هذه التدخلات إلى أن هذا الموروث اللامادي باتيتأثر بالعوامل الطبيعية، خاصة أن عمليات الصيانة حاليا لا يمكن القيام بها بواسطة وسائل قديمة يمتلكها السكان فقط، بل تقتضي البحث عن موارد دعم من أجل تحديثها وحمايتها وصيانة المياه بداخلها بشكل يحترم البيئة وخصوصيات المناخ الصحراوي.
وأبرزت الدراسات أنه من شأن عمليات الصيانة أن تسهم في الحفاظ على جودة المياه وعلى الوفرةفي الصبيب المائي الشيء الذي يمكن من استمرار النشاط الفلاحي وتطوره، خصوصا إذا تعززت بتكوينات في تقنيات الاستعمال المعقلن للمياه والتعريف بالحمولة المعرفية المهاراتية والتاريخية المتميزة للخطارة وأبعادها الجيو-تاريخية والاقتصادية والاجتماعية والايكولوجية التي تجعل منها صديقة للبيئة.
تعتبر هذه المبادرات خطوة مهمة في مسار إحياء هذه المنشآت لكي تستمر في أداء دورها الأصلي أو إعادة توظيف ما أهمل منها في برامج تنموية أخرى كإدماجها في المسارات السياحية والثقافية.
نصيب الخطارة من السياحة
إذا كان الأصل في الاعتماد على الخطارة جاء بناء على الحاجة إلى المياه، فإنها اليوم تلعب دورا آخر يتماشى مع طبيعة التحولات والتغيرات الاجتماعية. فتوقف بعض المناطق عن استخدام الخطارة كتقنية لاستخراج المياه الجوفية، أفسح المجال لاعتمادها كمرفق سياحي يحكي قصة بطولات الأسلاف وعبقريتهم. فقد هيأت قنوات هذه الخطارات بوسائل للتنقل داخل النفق، وخصصت مداخل خاصة بها من أجل جلب السياج الأجانب. كما تم وضع معالم تاريخية قديمة داخل الخطاراتلتشكل معرضا. ويقوم المسؤولين عنها بتقديم شروحات عن نظم تأسيسها واشتغالها للزوار.
فالخطارة اليوم أصبحت تشكل معلمة تاريخية واقتصادية واجتماعية وتراثا إيكولوجيا بالمغرب نظرا لعبقرية عملها في نقل المياه وما تتيحه من نظام عادل لتوزيع الماء. ولها كل الفضل في تواجد واحات النخيل بمعظم المناطق الصحراوية لاعتمادها النظام التقليدي لتعبئة ونقل المياه من المرتفعات عبر نظام الجاذبية. ومن بين الاعمال التي تسعى للحفاظ على تقنية ومعارف الخطارة، الرواق الذي أقيم بالمنطقة الخضراء بقرية مؤتمر كوب 22 بمراكش. رواق عرضت فيه مجمل الأعمال والأبحاث العلمية والتوثيقية التي أجريت من أجل صون هذا المورث الحضاري والتاريخي للمغرب بمختلف تجلياته.فالخطارة تحافظ على النظم الاجتماعية والاستقرار السكاني وعلى الموارد المائية والتوازنات البيئية التي باتت أكثر هشاشة بفعل انعكاسات التغيرات المناخية. كما تم إدراج الخطارة الراشيدية مؤخرا ضمن لائحة التراث اللامادي لقائمة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة الايسيسكو.
