a24- عبد الهادي المـوسـولي
تعتبر شجرة البلوط الفليني من الأشجار المميزة من حيث الشكل والتركيبة البيولوجية ،وكذا من حيث انتشارها ، فهي من أشجار المناخ المتوسطي النموذجية التي لها انتشار محدود بالمقارنة مع الأصناف المتوسطية الأخرى كالبلوط الأخضر والزيتون والبري.
شجرة البلوط الفليني هي شجرة متوسطة الحجم ، تتطلب ظروفا معينة ودقيقة ، كما تتطلب مناخا محليا خاصا داخل المناخ المتوسطي ، إذ غالبا ما نجدها مجاورة للسواحل ، كما تتواجد أحيانا في قمم الجبال العالية ، مثلا جبل ” تازكا “وجبال قرب تازة وجبال الريف.
تجمع على الساحل الاطلسي
لكن أكبر تجمع لهذا الصنف من الأشجار في المغرب ينحصر أساسا على الساحل الأطلسي ، في حيز جغرافي محصور بين مدن الرباط و بنسليمان والقنيطرة والعرائش .وتذكر المصادر التاريخية المكتوبة والشفهية أن هذا المجال كان أكبر مما هو عليه اليوم بكثير ، وأي مقارنة بين حاضره وماضيه تعتبر مقارنة مغرضة وغير موضوعية .فالواقع الملموس يظهر لنا شبه غابة تخفي ورائها انقراض هائل لهذا الصنف من الأشجار.فما هي أبرز العوامل التي ادت الى هذا الوضع الكارثي ؟
لعل أهم خطر يتهدد غابة البلوط هو الزحف العمراني ، حيث تتراجع الغابة من أطرافها قرب التجمعات الحضرية بسلا وسلا الجديدة والقنيطرة وبنسليمان . كما نمت وسط الغابة بعض التجمعات الحضرية مثل مدينة “الكموني” بين الرباط والخميسات، مدينة لم تكن سوى قرية صغيرة وسط الغابة ، وفجأة اختفت الغابة وانتصبت معالم مدينة عشوائية يمسح الاسمنت ثغرها الواسع الذي التهم كل أشجار البلوط .وعلى مرمي حجر من حي الفيلات بسلا الجديدة يتربص الزحف العمراني بالمجال الغابوي للمدينة المتمثل في غابة المعمورة ذات البعد الحضري كما يشير تصميم التهيئة الحضرية للمدينة . ولعل المضاربة العقارية الحادة بالمنطقة قد تعجل بتجاوز هذا التصميم وضربه عرض الحائط ، مثلما حدث لوسط المدينة مؤخرا .
وجدير بالذكر أن وسط غابة المعمورة يعج بالمداشر ، حيث أن السكان هناك يعتمدون في أنشطتهم الاقتصادية على تربية الأبقار و الأغنام . وخلال مواسم الجفاف أو نقص الكلأ يعمد مربوا المواشي إلى تكسير أغصان الأشجار وتقديمها لأنعامهم .وهذا ما يعرف في العرف الجغرافي بالرعي الجائر .
هجوم لسكان المدن المجاورة
ومن جهة أخرى تتعرض غابة المعمورة ، في أيام العطل الأسبوعية، لهجوم سكان المدن المجاورة الباحثين عن الاستجمام والنزهة. لكنهم يخلفون ورائهم بقايا ونفايات ضارة بالأشجار ومحيطها ، بل ومن الزوار من يشعل النار قرب جذوع الأشجار أو يدق مسامير صدأة في قلب الأشجار وربطها بالحبال لصنع سترة لعائلته وحتى لا تطفئ الريح ناره .
ويرى الدكتور : ” محمد الخطوري” ، وهو دكتور في البيئة وأستاذ جامعي بجامعة سطات ، أن غابة المعمورة لم تعد غابة بالمفهوم الحقيقي للغابة ،وإنما هي مجرد تجمعات للأشجار تتخللها مساحات فارغة أما الأشجار فقد أصبحت مجرد جذوع تحمل أغصان ميتة ، رغم أنها تبدو خضراء نضرة ، أي ان شجرة البلوط الفليني بغابة المعمورة تحتضر .
ويؤكد الدكتور في دراسة أجراها رفقة طلبته ، أن أهم مشكل سيقضي على وجود هذه الشجرة هو :عملية إزالة الفلين . لأنها لا تتم بطريقة علمية مدروسة ، ولا تستعمل فيها التجهيزات اللازمة كما في دول الجوار .فجدع شجرة الفلين يتوفرعلى مادة بيولوجية “فيلوديرم” لها سمك ضعيف ،توجد بين الجدع والفلين ، تعمل بشكل حيوي في الإتجاهين المعاكسين معا .تعمل في اتجاه الداخل لتوليد الخشب الضروري للجذوع والأغصان . وفي اتجاه الخارج لتشكيل الفلين . وهذه الطبقة الحيوية الرفيعة هي المسؤولة عن تشكيل الفلين ، كما أن لها أدوار أخرى من قبيل حماية الفلين والخشب من التعفن بفعل مياه الأمطار، وتقيه من الحريق لكونها مادة غير مشتعلة . لذلك إذا اردنا ان نحافظ على هذه الشجرة المميزة ، يجب أن نحافظ على هذه المادة الحيوية .
ويِؤكد الدكتور خطوري أنه لا يتفق مع التبريرات الرسمية، التي تعزو تدهور غابة البلوط الفليني لأسباب منها الضغط الديموغرافي والرعي الجائر والتغيرات المناخية . إذ تبقى هذه التبريرات ضئيلة ولا يرقى فعلها في الموضوع لما هو أساسي ،والذي يتمثل في فقدان المادة الحيوية فيلوديرم .
اقتصاد الريع يساهم في التدهور
إن السبب الحقيقي لتدهور وضعية شجرة البلوط الفليني هو “إقتصاد الريع” وجهل بعض الجهات التي تعتبر الغابة ثروة مادية ، وعلى رأس هذه الجهات “الجماعات الترابية ” . لأن عملية بيع الفلين من طرف الجماعات للمقاولين الذين ينتزعون الفلين من الأشجار لا تتم وفق المعايير البيولوجية والبيئية السليمة . فطريقة تقشير الفلين من الأشجار أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها طريقة همجية ، لا تحترم المدة الزمنية لتخليق الفلين بعد انتزاعه ، والتي حددتها الدراسات الدولية في أكثر من 10 سنوات . وبالتالي فهي تشكل خطر على الأشجار بشكل موسمي.
وحسب الدكتور محمد خطوري ،يجب على المسؤولين في عمليات تفويت غابة الفلين أن يحافظوا على سلامة أشجار الفلين باستعمال طرق فنية في عملية التقشير حتى لا تخدش الأشجار وتفقد مادتها الحيوية وهذا لا يتأتى الا إذا تمت محاربة اقتصاد الريع الذي جعل من الغابة مصدر ثروة ، بينما هي في الواقع مصدر سعادة لكل المواطنين ، مثلها مثل باقي الموارد الطبيعية السطحية كالماء والتربة ، حق يجب أن يكون غير قابل للتفويت أو المساومة .لذلك يجب تشديد المراقبة أثناء عملية التفويت للخواص . قال أحد علماء الجغرافيا : “يجب أن تحل السعادة الوطنية الخام محل الناتج الوطني الخام ” فلا يمكن للسعادة أن تكتمل في هذه الجهة في غياب غابة البلوط .
وخلال السنوات الخمس الأخيرة انضاف مشكل آخر بات يتهدد وجود غابة البلوط برمتها وهو مشكل تراجع المياه الجوفية الى أعماق سحيقة بعيدا عن جذور الأشجار . حيث أن أشجار البلوط بسهل الغرب اعتادت العيش على المياه الجوفية المتجددة بفعل الأمطار وخاصة في سنوات الجفاف . غياب هذا المورد قد يدخل غابة المعمورة الى غرفة الموت البطيء والحتمي .
وتؤكد الدراسة أن جل الأشجار قد تعرضت للتشويه ، والتشويه يفضي الى الإنقراض . وربا في غضون السنوات القليلة القادمة لن تكون هناك في وطننا غابة إسمها المعمورة ، ولن تكون هناك شجرة في جبالنا إسمها شجرة البلوط الفليني .فهل ترضون بهذا يا حماة البيئة ؟؟؟
