14, فبراير 2026

a24- ليلى خزيمة

“ااااه،ها هو ذا”. لفظ بسيط، لكنه يحمل من العشق و اللهفة و المتعة و الامتنان ما يجعل كل من يراني ينطق عن الهوى. كيف لا و أنا الكسكس المغربي, قبلة القريب و الغريب. لا خِلاف على حبي بين عربي أو أعجمي. لعراقتي و حسن صنيعي، تهافت الكثيرون على الانتساب لي, لكنني حر أصيل، أعتز بمغربيتي و لا أشارك فيها أحدا. قالت منظمة العالم الاسلامي للتربية و العلوم و الثقافة الايسيسكو، أنت من يجب أن يُدرج على قائمتي حتى نحافظ علىالمهارات والعادات المرتبطة بك ونفض الخلاف. قلت على الرحب و السعة فأنتيتعرفينمن هم أهل الهمة و الخير.

لا يفوتني واجب. تجدني أهنئ في الأفراح، و أشارك في الولائم و أنا أول من ينعي من فقدناه وأواسي ذويه. الجميع يقدسني. فأنالا أفوت صلاة الجمعة و لجودي و كرمي أزور المساجد في العديد من المناسبة جبرا لخاطر المسكين و المحتاج و عابر السبيل. أكون أول المدعووين في المحافل الدولية. و في كل مرة أتزين بألوان الطبيعة و خيراتها من ما لذ و طاب, فالخضروات أعز رفيقاتي، أصطحبهنأينما حللت و رحلت و هن صاحبات واجب.

تارة أكون حلوا و تارة مالحا. فمن طيبة قلبي أسعى لإرضاء كل الأذواق.  المهم أن كل هيآتي صالحة لكل زمان و مكان. أخدم محدود الدخل و الفقير تماما كما أخدم صاحب الجاه. الفرق الوحيد يبقى في كيف يحتفي كل واحد منهم بي. أما أنا فأرضى بالمقسوم و أبيض وجه كل من التجأ إلي.

من بين الطرائف التي تحضرني دائما، اختبار العروس الجديدة بي. أم زوجها تطلب منها استضافتي على المائدة و أن تحسن معاملتي من “الفتل” إلى “التسقية”. يكون الموقف مضحكا بعض الشيء. فأنامل العروس الجديدة تبدأ في دغدغة سميدي. مرة تغرقني بكثرة الماء و مرة تتشابك يديها من شدة التوتر و في مرات عدة تُسهب إحداهن في تسقيتي, لكنني و مع ذلك أترك الفرصة لكل   واحدة كي تتعلمو لا أتضايق أبدا.

لا أتعالى على نعم الله. أستضيف أي نوع من اللحم أو الخضار. فكما أتعامل مع اللحم البقري و لحم الخروف و المعز و الجمل أتفنن في مأدبة لحم السمك. أُنسِق بين ما هو حيواني و ما هو نباتي بشكل يذهل المحترفين و أصحاب الذوق الرفيع. فهذه صنعتي. أحب الدجاج المحمر و  البصل ذو الخصلات الذهبية المعسلة ممزوجة بالزبيب و القرفة و السكر في مرق “التفاية”. في كل مرة أكون برفقة هذه الصحبة الطيبة، أعرف أنني في لمة فرح. أما عندما يصلني خبر وفاة عزيز ما، فأخبر رفيقات الخضراواتو نذهب لنؤدي الواجب. هذا لا يعني أننا لا نجتمع إلا في المناسبات الأليمة. اطلاقا. فأنا وهن لنا موعد أسبوعيا لا نخلفه مهما حدث و يكون إما الجمعة أو الأحد. و لا أخفيكم، أيام عيد الاضحى، أنتشي بمذاق اللحم المقدد, أو لحم رأس الخروف. فالنسوة يبدعن فيه.

أُخْلِصُكُم القول، أنا لا أحب الروتين. لذلك فخزانة ملابسي مشكلة. فتارة أخرج  بحبوب القمح، و تارة بحبوب الذرة و مرات أكون بحبوب الشعير.أنا نتاج العناصر الطبيعية الاربعة. ترابِيُ و مائي المكونات، النار تصقلني و الهواء مؤشر نضجي. أتعامل مع الطبيعة في كل المراحل. أُستخرج من بين حجرتي الرحى. أُقعَّد بغربال من الخشب و الجلد. “البُرمة”أو ” لَخْديم”  أوالقِدركل منطقة تنعته باسم تكون من الطين أو النحاس و هي  الحبلى بخيرات الطبيعة و مَرقي اللذيذ. الحمَّام البخاري الذي أَمُر به في “الكَسْكاسْ” يكون من نفس طينة “البُرمة”.  و قد عُثر على واحد يرجع تاريخه إلى القرن الثالث قبل الميلاد في عهد حاكم نوميديا الملك ماسينيسا. أما المُغْرَفة، فهي دائما من الخشب و لا نقاش فيها. و عندما أُجَهَّزُ و أَخرج لملاقاة الأحبة، أذهب في قَصْعَة أو كما يساميها البعض “قَصْرِيَّة” من الطين أو خشب الجوز لأحافظ على الحرارة التي أُدفئ بها قلوب مُرِيدِيَّ.و مع هذا فأنا أتماشى مع مستجدات العصر و الضرورة، و أخرج لزيارة من هم في عملهم بزي خاص لأواسيهم. فكما قلت أنا متواضع رغم عراقتي و أحب كل الناس. و لأن قلبي نظيف و أبيض أعشق رفقة اللبن.

الكل يعرفني باسمي “الكسكس”، لكن هناك من يدعوني باسم “الطْعَامْ”. لما لا و أنا الذي يطعم كل من يمُدُّ يده ليستمتع بي. مؤرخة الطهي لوسي بولينز تقول أن اسمي هذا استخدم لوصفي قبل القرن الثاني عشر. و أكد هذا الاسم كتاب “التشوف” لأبي يعقوب تاديلي الملقب بابن الزيات و الذي يتحدث عن حياة الصوفية المغاربة.

تحدث عني العديد و مَجَّدوني في كتبهم مثل الحسن بن محمد الوزان الفاسي  المعروف بليون الإفريقي في كتابه وصف إفريقيا حين وصف طريقة طَهْي عند أهل فاس:« في الشتاء يأكلون طعاما يسمى كسكسو يصنعونه من دقيق مبلل يحول إلى حبيبات في حجم حبات الكزبرة تنضج في قدر ذات ثقوب(كسكاس ) تسمح بطلوع بخار من قدر أخرى ثم يخلط هذا الدقيق المتبخِّر بعد نضجه بالسمن ويسقى بالمرق». كما قال:«عُرف البربر بلبس البرنوس وحلق الرأس وأكل الكسكسي». وذكرني رحالة ومؤرخون كثر في أعمالهم، منهم المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان في كتابه تاريخ شمال أفريقياقائلا: «اشتهر البربر في كل العصور بقوة بنيتهم وطول أعمارهم… وكان الفلاحون يأكلون الكسكسي منذ ذلك العهد (الروماني) ».دخلتُ العالمية من أوسع  الأبواب و اشْتهَرتُ حتى ما إذا ذُكر بلدي ذُكِرْت. و نلت العديد من الجوائز و لله الحمد. سمعتي تسبقني و أرافق كل واحد من المهد إلى اللحد. فأنا الوفي ابن التراث العتيد و من لا تراث له لا هوية له.شُعُبِي مُتجذرة و متفرعة. أتكلم العربية و الأمازيغية و الحسانية. و مع ذلك أبقى متواضعا.فمن تواضع لله رفعه. و لا أغير جلدي. فوصفتي الرئيسية لم تتغير منذ قرون.

أحبتي أعتذر ان كان كلامي مقتضبا، فكلما غُصْتَ في أعماقيإلى “الكنة” وَ ضَعْ ثلاث نقاط على الكاف، تجد حرارتي مرتفعة من شدة الخجل. لكن عندما يدعوني أحدهم ليس لي إلا أن أُلبي الدعوة. فأنا الكريم ابن الأكرمين. أنا الكسكس المغربي.

اترك تعليقاً

Exit mobile version