المنعطف 24 – وجدة
وقف الأستاذ وليد كبير مليا وهو يقرأ في دلالة مكان انعقاد الندوة وهي مدينة وجدة التي نظمها حزب جبهة القوى الديمقراطية في موضوع” العلاقات المغربية الجزائرية في ضوء الخطب الملكية”، مذكرا بمجدها كمدينة مجاهدة شاهد على تلاحم الشعبين الشقيقين المغربي والجزائري ومضرب مثل في التحرر ومحجا للمجاهدين الجزائريين الذين آمنوا بوحدة المصير كإخوانهم المغاربة، مستشهدا بالقول المأثور للراحل والملك المناضل محمد الخامس طيب الله ثراه و اسكنه فسيح جنانه، حينما شدد على أن “استقلال المغرب لن يكتمل إلا باستقبال الجزائر”.
فالحاجة ماسة لنظير هذه المبادرات التي تسمح بالتقاء نخب جزائرية مغربية لتتحمل مسؤوليتها التاريخية إزاء واقع مؤلم فرضته ” اليد المنقبضة” عن غير وعي و بغباء وهي تصارع ” اليد الممدودة “.
ويتساءل المدخل بحق إلى متى تبقى اليد منقبضة ومغلقة؟ ومتى تتحقق اليد الممدودة مقابل اليد الممدودة؟ ومتى ستعيش هذه العلاقات وضعها الطبيعي والعادي؟
ورمى المتدخل بوابل من” المتى” التي ننتظر جميعا، سواء تعلق الأمر بفتح الحدود أم تعلق الأمر بصراع، وصفه بالأجوف والتافه، أم تعلق الأمر بقطع العلاقات الدبلوماسية والأواصر والروابط الشعبية و بغلق الأجواء، مستشهدا بحرمان الشباب المغربي من الذهاب إلى قسنطينة لأجل الدفاع عن لقبهم واصفا المنظر بالمؤسف ومدعاة لسخرية العالم و دون قيمة و قيم الشعبين و قيمة انتمائهما لشمال أفريقيا مهد الحضارات و ملتقاها في المتوسط.
وحمل وليد كبير مسؤولية هذا الوضع ،وبقسط كبير، إلى النظام العسكري. ليس فقط منذ اندلاع مشكلة الصحراء المغربية بل منذ استقلال الجزائر.
ونبه المتدخل إلى خطورة الوضع وشدة حساسيته وتوترها وإلى تبعاته، والتي يمكن أن تتحول في أية لحظة إلى صدام مسلح، بسبب الوضع الداخلي للجزائر والذي يعرف أزمة داخلية عميقة تسبب فيها نظام العسكر ويده المنقبضة، التي لا يمارسها مع المغرب وحسب بل مع الشعب الجزائري أيضا.
كما أضاء المتدخل طبيعة نظام الحكم الجزائر في كونه نظاما رافضا للانفتاح وللحريات و مصرا على القمع .واعتبر ذ كبير أن تعدد ضحاياه يفسر بسياسته الأثيرة و هي الهروب دائما إلى الأمام ؛ بينما كان من المفروض أن تكون العلاقات الجزائرية المغربية علاقات بين شعبين جارين شقيقين و توأمين كما أراد لها الملك محمد السادس، بدليل أن ما يجمع بين الشعبين من القواسم المشتركة( اللغة و التاريخ و الجغرافيا والدين والعادات والتقاليد ووحدة المذهب السني بل وتشابه مكونات الأمتين امازيغ و عرب ) لا نظير له على المستوى الدولي، مستشهدا بما تراه العين الأخرى، عين الأوربيين، والتي لا تفرق بين احد من المغاربيين بل ويصعب عليها التمييز بينهم كما الشأن لبقية العالم.
وبالنسبة لوليد كبير فإن العالم يعرف ويشهد إننا شعوبا توائم.
ولو إن المقارنة لا تستقيم مع وجود الفارق، فإن المتدخل يعقد مقارنة مستحيلة بين الشعوب المغاربية وشعوب الاتحاد الأوروبي. فبينما لا يجمع بينها على المستوى السوسيولوجي اي قاسم ثقافي محدد اجتمعت دول الاتحاد الأوروبي على مصالح شعوبها و ألغت الحدود و طورت مفاهيم السيادة المشتركة؛ بينما بقيت السيادة لدينا مختزلة في الحدود و الأسلاك و الفنادق والخرائط.
ويفسر كبير هذه المفارقة في توفر القابلية الاجتماعية لثقافة والتربية على الحريات والحقوق عند الأوربيين والتي كانت محصلة لزمن مديد من بناء المؤسسات و تعبت شعوبها بالحريات و الديمقراطية.
وبكثير من مشاعر التفاؤل ، ولاسيما التفاؤل الذي يعني ان مستقبلا زاهرا و جميلا ينتظرنا كمغاربيين ، ان لم يكن في الطريق إلينا، أكد وليد كبير انه رغم الماضي والحاضر الثقيلين والمحبطين في العلاقات المغربية الجزائرية، فإن التفاؤل قائم رغم كل ما يحدث، بسبب غنى رصيدنا البشري وانتمائنا لحضاري إلى منطقة تعتبر مهد الحضارات و ملتقاها.
صحيح ان الجزائر تعيش أزمة سياسية عميقة مردها إلى “سطوة إرهاب النظام على إرادة الشعب ” بيد أن ذالك غير ممكن أن يستمر إلى الأبد. فقد تتوفر الظروف في المستقبل لإمكانية التغيير. و ان كان قد وافق باقي المتدخلين، ولاسيما الاحتمالات التي رمى بها الفقيه الدستوري صبح الله الغازي في كون التغيير صعب ان لم يكن مستحيلة في ضل نظام الحكم في الجزائر، فإنه أبدى تحفظه من سيناريو انقلاب عسكري بحكم خبره ومعرفته العميقة بهذا النظام والذي أقر بتطور أساليبه على مستوى التفكير في أشكال بسط السيطرة و الاستبداد دونما تبرير.
وفسر استبعاده لفرضية انقلاب عسكري في طبيعة هذا النظام من حيث هو تركيب لعصابات قد تختلف في ما بينها لكن لا يمكن أن يصل بها الحد إلى ما يقع من انقلابات بالمعنى التقليدي للكلمة.
ضف إلى ذلك انه نظام يتوفر على مفكرين و لن يرتكب ما يمكن أن يلام عليه دوليا.
ولذلك يجزم وليد كبير انه لا يمكن أن ننتظر وحدة مغاربية بوجوده.
مدللا بفشل كل محاولات الوحدة المغاربية والتي اتسمت بكونها وحدة قيادات وليست وحدة شعوب ونخب نابعة من الإرادة الشعبية.
واسطع مثال هو فشل مشروع اتحاد المغرب العربي الذي تم الإعلان عليه بمراكش سنة 1989،بسبب عدم توفر إرادة حقيقة و تغيير النخب و الشعوب من هذا الصرح.و هو ما يشكل انتكاسة حقيقية و رهيبة للمنطقة المغاربية.
واستعرض كبير الجوهري في موضوع الندوة بالاستناد إلى ما اعتبره الأهم الذي يسترعي الانتباه في هذه الخطب و مقتصرا على الخمس سنين الماضية، بدء بخطاب ذكرى المسيرة الخضراء نونبر 2018، معتبرا إياه فرصة ذهبية و تاريخية لا تعوض فوتها نظام بوتفليقة للدخول في مصالحة مع البلد الذي ولد وترعرع فيه و منه تعلم السياسة.
وان كان من جسور مقطوعة، بالنسبة للمتدخل، فهي بين النظامين و ليس بين الشعبين الشقيقين.
كما استدل وليد كبير بخطاب ملكي آخر، عده خطابات عاطفيا، و تزامن مع الفرحة العارمة التي خلفها فوز الجزائر بكأس الأمم الأفريقية حيث خرج المغاربة للتعبير عن فرحتهم بالتتويج بل و تزينت مدينة وجدة و باقي المدن المغربية بالأعلام الجزائرية، في إشارة إلى خطاب العرش في يوليو 2019 . وهو الخطاب الذي أكد فيم الملك على روح المحبة التي يحملها الشعب المغربي اتجاه الشعب الجزائري ، وكان قد تزامن مع غليان الشارع الجزائري.
ومرة أخرى رفض نظام العسكر التجاوب مع اليد الممدودة و مع الهبة التي عبر عنها المغاربة اتجاه أشقائهم الجزائريين.
واستطرد وليد كبير باختيار خطاب ثالث هو خطاب العرش لسنة 2021، معتبرا إياه خطاب هاما دعا فيه الملك النظام الجزائري إلى الحوار دون شروط مسبقة، حيث أكد جلالته انه ليس مسؤولا على أحداث 1994 مثلما النظام الجزائري الحالي هو الأخر غير مسؤول عليها. و الحال ان الرد كان بعد 24 يوما قاسيا و مؤلما بقطع العلاقات الدبلوماسية .
ومع كل تلك التصرفات التي وصفها كبير بالصبيانية فإن المغرب بقي مصرا على اليد الممدودة. وهو المعطى الذي بنى عليه كبير أمله في حدوث التغيير و تجاوز المحنة.
ويطرح المتدخل مجددا سؤال الكيفية: كيف يمكن ان نغير الواقع كمغاربيين ؟
يكمن الجواب بالنسبة لوليد كبير في ان تتحمل النخب المغاربية مسؤوليتها التاريخية في فك الحصار المضروب على الحدود و في كيفية إحداث التأثير العميق لدى نظام الحكم بالجزائر أسوة بالشعبين الجزائري و المغربي.
هاهنا يطالب كبير بمزيد من تعزيز الممارسة السياسية بالمغرب، والتي يرى كونها قطعت أشواطا مهمة. ومن شان تعزيز هذه السياسة أن يجعل النظام الجزائري يقتنع بأنه متجاوز و شائخ وفي وضع عماء إزاء التحولات التي تجري من حوله هو الذي يريد أن يترك الجزائريين في عزلة و يريد لجيرانه الوهن و الضعف.
ولمزيد من إحراج هذا النظام ينادي وليد كبير بتعزيز الممارسة السياسية بالمغرب و إلى المزيد من الحريات وتعميق تجربة التداول على الحكم ودور الأحزاب السياسية لعزل هذا النظام في المنطقة المغاربية، هو الذي لا يريد دولة مدنية ديمقراطية في تونس و لا يريد دولة المؤسسات في ليبيا ويناصب للمغرب والأشواط التي قطعها في ممارسته السياسية .
ويعتبر وليد كبير أن العداء الذي يكنه النظام الجزائري للمغرب قد أخر المنطقة وأخر قيام فضاء سياسي موحد نظير الاتحاد الأوروبي.
ويطرح المتدخل السؤال مجددا حول الحل، بوابل من الأسئلة الاستنكارية: هل سنبقى في انتظار معجزة إلهية لتغيير الواقع؟ هل سنتضرع لله أن يفتح الحدود المغلقة لستة عقود؟ أو أن نبتهل لله أن يسقط نظام العسكر؟
إن إسقاط نظام العسكر، يقول وليد كبير، ” يتطلب النضال و التخطيط”، لاسيما و ان الجزائر لم تتمكن من تشكيل جبهة أو حركة أو حركات سياسية لمواجهة نظام العسكر. و يعتبر كبير ان هذا المشروع هو مشروع للمستقبل.
وفي ما يخص العلاقات المغربية الجزائرية التي تعيش حالة حصار، و الأضرار الفادحة التي نتجت عن قطعها على مستويات عديدة اقتصادية و اجتماعية و سياسية و سواها، قال كبير انه لا يرى حلا في استجدائها من نظام العسكر لفتح الحدود ، كما لا يرى حلا في القيام باحتجاجات على الحدود لفتحها، إذ عفا عنها الزمان مثلما عفا عن تسول فتح الحدود من نظام يستحيل عليه الانخراط في هذا المطلب لأنه يرى ان تحقيقه هو إنهاء لوجوده..
والحاصل انه، ومن خلال ما طرحه الإعلامي الجزائري البارز وليد كبير، لا يوجد وقت محدد ليحقق المغاربيون حلم الاتحاد و التكتل و لا شك أنهم سيبدؤون متى استطاعوا إلى ذلك سبيلا بمزيد من النضال والغيرية .
ولا شك أيضا أن الفرقة و التوتر الفائض في العلاقات المغربية الجزائرية أمر واقع إلى حين. غير أن هذا الواقع ،على الأقل بالنسبة للأحرار، يلقننا جميعا كيف نحتاج لبعضنا البعض إن أردنا أن نعيش ونستمر في عالم مفتوح لا مكان فيه إلا للتكتلات و تبادل المصالح و المنفعة.
