بقلم: الأستاذ عبد الحكيم قرمان
1 – بين ممكنات السياسية ورهانات المجتمع
إن المؤسسات السياسية والحزبية التي توافقت على بلورة مشروع “التناوب الديمقراطي” وفي خضمه، تم تخصيب الاصلاحات السياسية والمؤسسية المهيكلة لمغرب الألفية الثالثة، لاسيما تلك التي تضمنها دستور 2011؛ ذلكم المشروع الذي لا زالت بلادنا تعيش بعضا من نتائجه ومخاضاته وانتظاراته ، لا تزال مجمل القوى الحية للمجتمع المغربي التي ساهمت في إطلاق دينامياته الكبرى تتطلع لتحقيق باقي فصوله الواعدة والمبشرة.
ولقد باتت النخب العالمة والسياسية والتقنوقراطية مجتمعة، تتطلع ومعها عموم الشعب وقواه النضالية الحية، إلى انبلاج النموذج التنموي الجديد في أفق خلق النهضة المجتمعية وإرساء مجتمع العدالة الاجتماعية والمجالية والديمقراطية القائمة على القانون والمؤسسات والحريات، مطالبة اليوم وأكثر من أي وقت مضى، العمل بقوة والتزام واجتهاد في هذا الأفق الإصلاحي المنشود. وتظل المؤسسات الدستورية الناظمة للحياة العامة بالدولة، معنية ومسؤولة أمام التاريخ والمجتمع لتقييم نتائج هذه التجربة المتميزة، ثم الولوج إلى مرحلة في مرحلة تعميق مكتسباتها، وتقويم نقائصها عبر مقاربات جديدة، تروم إحداث الإصلاحات الملحة لتجسير مرحلة الانتقال نحو الدولة الديمقراطة المكتملة البنيان.
والأهم من ذلك، فإن تلك النخب مجتمعة، أصبحت مطوقة بواجب صون الأمانة الفكرية والنضالية وتأدية رسالتها المجتمعية والتاريخية المنوطة بها، في أفق تنزيل ذلكم المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي المنشود منذ فجر الاستقلال إلى اليوم، والذي يكرس الاختيارات التنموية الديمقراطية والتحديثية، التي تتطلع إليها كل مكونات الأمة المغربية لترسيخ ثوابتها المجتمعية القويمة، وكأفق سديد نحو العبور بالوطن من مرحلة التردد والاحتقان والقلق إلى إرساء المشروع المجتمعي النهضوي البديل.
2 – من أجل التأسيس لميثاق وطني ومواطناتي بين الدولة والمجتمع
وتبعا لذلك، يتجدد التعاقد بين الدولة والمجتمع في صيغة عقد مجتمعي واعد، لتجسيد الأساليب الديمقراطية الطبيعية في ظل نظام حكم تسوده العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات ترعاه مؤسسات دستورية متوازنة في كنف ملكية دستورية عصرية وقوية. ومن هنا يبزغ السؤال المنهجي الهام: ترى أين تقف النخب الاقتصادية والاجتماعية والسوسيو ثقافية والعلمية والإعلامية اليوم، من كل هذا ومن كل ما قيل سلفا؟
وبداية المساهمة في بلورة تصور للجواب، تصبح نخبنا الاقتصادية والسياسية والمجتمعبى عموما، مطالبة قبل كل ذلك بالاشتغال على تطوير ذاتها، وتجديد فكرها وتنشيط وتحديث هياكلها المؤسسية بتبني آليات استقبال وتأطير وتنشئة فعالة، قوامها المصداقية قي الخطاب والممارسة السياسية، بناء على مقومات المواطنة والحرية والتعدد والحداثة، بحيث يصبح السياسي مثقفا بالمعنى السوسيولوجي، والمثقف سياسيا بالمعنى التدبيري والمؤسساتي، دون أن يتبنى أي منهما أسلوبا مناهضا للآخر بغية فرض تصوراته بعيدا عن الانصهار الوظيفي أو الإقصاء الميداني.
مقاربة كهذه لا تخلو من جرأة الإقدام ومن المجازفات أحيانا، لكنها تظل النهج السديد لإعادة تشكيل وتحفيز دورة النخب وتجديد، خصوصا منها، تلكم الطاقات والكفاءات الواعدة بالطموحات، التي ظلت معطلة عن الإنتاج والمشاركة لأسباب ذاتية وموضوعية كثيرة، في مناخ سياسي مشحون بالتيئيس والتبخيس والعزوف والإحباط، مع انعدام الثقة في العمل السياسي بكل أشكاله المألوفة. ومما يعمق مأزمية العمل السياسي ببلادنا، اتساع دائرة التهميش والفقر والهشاشة والأمية وغيرها كثير من الاختلالات المجتمعية المعرقلة للتطور والنمو. لذا وجب التأكيد على أن تحيين أوراش الإصلاحات الاقتصادية والرقابية والقضائية والتعليمية والصحية، بات يستلزم بالضرورة إعادة النظر في آليات إنتاج الثروة وكيفية توزيعها بشكل عادل على كل أبناء المجتمع ومختلف جهاته، وكذا إعادة النظر في كنه ومضمون المنظومة التربوية والتعليمية، باعتبارها أحد أهم المداخل الاستراتيجية للتحديث المجتمعي الشامل.
3 – في الحاجة إلى تجديد الوعي عبر تجديد النخب والمقاربات
إن السياسة لم تعد مفهوما مغلقا كما ترسخ في خيال بعض الفاعلين في الحقل السياسي عموما، والمشهد الحزبي على وجه الخصوص، فالممارسة السياسية لا تتضح أهدافها ومقاصدها ومصداقيتها في أعين الشعب، إلا إذا كانت شفافة في الميدان وواضحة الخطاب ومفهومة المنطلقات والآليات وتواصلية في السراء والضراء بعدما يتلمس المواطنون نفعها العام ومنافعها المباشرة في حياتهم اليومية أيضا. فمن المفارقات أن نجد في مغرب اليوم طاقات بشرية متعلمة وتحمل مشروع التحديث والعصرنة، ومستعدة للعطاء معطلة عن الفعل والعمل ضمن دائرة الإنتاج، وفي الوقت نفسه تعاني البلاد آفة الجهل والأمية بنسبة مخيفة تعرقل مشروع التحديث والتنمية الاجتماعية بل وتهدد أمن ومستقبل الوطن بأكمله.
إن التساؤلات المطروحة اليوم على مخيلة المثقف والسياسي معا، ليست من حجم بسيط يمكن الإجابة عنها بمجرد تعريف اصطلاحي للكلمتين أو حتى بالقفز عليها من خلال استعارة المقاربات والمفاهيم الجاهزة، بل هي في العمق تساؤلات تفكيك منهجي لمدلولهما الفكري والاجتماعي وإعادة تركيبهما في نسق مغاير تتحدد بموجبه الأدوار والمسؤوليات المنوطة بهما معا ضمن بوثقة واحدة تتطلب تحليلا جدليا للواقع وما يختلج في ثناياه من تناقضات وأسئلة وقيم، وبالتالي، فان هذين الفاعلين الأساسيين يقفان اليوم جنبا إلى جنب لتأمل الصورة في حركيتها الراهنة لفهمها أولا ثم لإيجاد الأجوبة الضرورية حول الأسئلة الوجودية المطروحة بغية تجاوز صورة المغرب المتخيل نحو مغرب المستقبل بألوانه الواقعية. وعليه فان السؤال المتصل بالقيم والهوية في بعديهما الديمقراطي لا يزال ينتظر الحسم في كثير من المعتقدات والقيم المشوشة التي تتحكم في ذهنيات المجتمع.
4 – جدلية الثقافي والسياسي في التفكير والتدبير
إنها لمهمة تاريخية وضرورة سياسية ومسؤولية مجتمعية جسيمة ملقاة على النخب العالمة والسياسية والتقنوقراطية بالتكامل، مؤداها استشراف المستقبل لمجتمع يشكل دولة-أمة، بمنهجية مبتكرة واستشرافية بمثابة ثورة ثقافية وسياسية وإعلامية وحقوقية لا مناص منها تنتظر القوى الحية الديمقراطية التقدمية والوطنية ينبغي خوضها بجرأة وجدية وثبات، إن هي أرادت إحداث النقلة النوعية وتجنيب الوطن ضياع الوقت وهدر الجهد والطاقات في القراءات السطحية للأزمة.
