إدريس هاني: تكريمٌ يُعيد للثقافة المغربية بريقها
عبد العزيز الخطابي
في مناسبة ثقافية بارزة شهدتها العاصمة العراقية بغداد، تم تكريم المفكر المغربي الدكتور إدريس هاني من قبل المنظمة العالمية للدفاع عن ضحايا الإرهاب، تقديرًا لجهوده ونشاطاته المناهضة للإرهاب الفكري. فبعد أكثر من ثلاثة عقود من العطاء الفكري، يبرز اسم هاني كدليل على أهمية المثقف في مواجهة التحديات المعاصرة. التكريم الذي حصل عليه يُسلط الضوء على مسيرة حافلة من الإبداع والتفكير النقدي، ولكنه أيضًا يطرح تساؤلات ملحة حول واقع الثقافة والمفكرين المغاربة داخل وطنهم.
لقد أثبت إدريس هاني أنه ليس مجرد مثقف بارز، بل هو رمز من رموز الفكر المغربي الذي يتسم بالتنوع والعمق. من خلال مشاركته في العديد من المؤتمرات والفعاليات الثقافية، ساهم هاني في تقديم رؤى فكرية متجددة، وشارك في تأسيس منظمات تهدف إلى محاربة العنف والإرهاب. يُعدّ هاني من الأسماء التي أصبحت تُعرف على الساحة الدولية بفضل مؤلفاته ودراساته التي تسلط الضوء على موضوعات شائكة مثل التسامح وحوار الثقافات.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: لماذا يُكرّم مثقفون مثل إدريس هاني في الخارج، بينما يُغفل دورهم في وطنهم المغرب؟ هذه الظاهرة تستحق التأمل، لأنها تعكس حالة من التغييب الثقافي الذي يعيشها المثقف المغربي. في ظل الانشغال بالأحداث السياسية والرياضية، يظهر أن المثقفين قد أصبحوا رموزًا مُغفلة. إن تكريم هاني يجب أن يكون مناسبة لإعادة التفكير في كيفية تقدير جهود المفكرين في المغرب ومنحهم الموقع الذي يستحقونه.
الحقيقة أن التكريم الذي تلقاه إدريس هاني ليس مجرد احتفاء بشخصه، بل هو جرس إنذار يخبرنا بضرورة إعادة الاعتبار للمثقف في بلادنا. بينما يُحتفى بالرياضيين والسياسيين في كل المناسبات، يُترك المثقف في الظل، مما يُظهر عدم التوازن في التقدير والاهتمام. يجب أن نتساءل: هل نجحنا في جعل الرياضة أكثر بريقًا من الثقافة، أم أننا أغفلنا الدور المحوري الذي تلعبه الثقافة في تشكيل الوعي الوطني؟
لا بد من الإشارة إلى أن المثقفين المغاربة، على اختلاف مشاربهم، يمثلون مصدر فخر لهذا البلد. لكن استمرارية إهمالهم قد تُفضي إلى نتائج سلبية على المستوى الفكري والاجتماعي. إن دعم الحكومة للمجالات الثقافية، عبر إقامة جوائز وتكريمات، يمكن أن يسهم بشكل كبير في تعزيز مكانة الثقافة ويعيد الاعتبار للفكر في المجتمع.
إن إدريس هاني يعكس حلم الوطن في بناء مجتمع يتسم بالفكر والوعي. نحن بحاجة إلى سياسات ثقافية تتجاوز المظاهر وتعزز من التجربة الفكرية. إن المثقف ليس فقط عنصرًا من عناصر المجتمع، بل هو حارس للذاكرة الجماعية وصوت للضمير. لذا، فإن الدعوة لحوار وطني حول إعادة الاعتبار للمفكرين يجب أن تصبح ضرورة ملحة، لنستطيع إعادة بناء علاقة صحية بين الثقافة والمجتمع.
إن تكريم الدكتور إدريس هاني يعد بمثابة نقطة انطلاق جديدة لدعوة جميع المعنيين في المشهد الثقافي المغربي إلى التفكير في كيفية دعم وتعزيز الثقافة في وطننا. فالثقافة ليست ترفًا، بل هي جزء أساسي من الهوية الوطنية، ولها القدرة على تشكيل الرأي العام وبناء قيم التعايش والتسامح. لنكن جميعًا جزءًا من هذه الحركة، لنؤمن بأن الوقت قد حان لنعيد للقيمة الثقافية بريقها المفقود.
