إعداد: عبد الرحيم باريج
تمكن المغرب من تسجيل تقدم بـ 4 درجات في مؤشر”سيادة القانون في العالم لعام 2023″، ليحتل الرتبة 92 عالميا من أصل 142 دولة، والرتبة الـ 14 على مستوى الدول ذات الدخل المنخفض من أصل 37 دولة، ذلك ما أكده تقرير المؤشر، الذي تصدره سنويا مؤسسة”مشروع العدالة العالمي”. ومنح التقرير للمغرب معدل 0.48 نقطة في هذا المؤشر، الذي يعتمد في تصنيفه على ثمانية معايير، تشمل القيود المفروضة على الحكومة، وغياب الفساد، والحكومة المفتوحة، والحقوق الأساسية، والنظام والأمن العام، وقوة إنفاذ القانون، والعدالة المدنية، والعدالة الجنائية. وكشف التقرير أن المغرب احتل الرتبة 6 عربيا في مؤشر”سيادة القانون لعام 2023″، بينما آلت الصدارة المنطقة للإمارات العربية المتحدة(37 عالميا).
وشدد الوكيل العام للملك، رئيس النيابة العامة في 17 أكتوبر 2023 بالرباط، بمناسبة افتتاح الدورة التدريبية حول التحقيق المالي الموازي في مجال غسل الأموال وتمويل الإرهاب، على أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ليست عملية ظرفية مرتبطة بتنزيل خطة عمل أو الخروج من لائحة معينة، بل هي مقاربة تعكس انخراط المملكة المغربية في ورش مكافحة الفساد المالي بكل مظاهره. هذا الورش الذي يعد ثمرة سياسة رشيدة جعلت مكافحة الفساد من أولوياتها.
العدالة الجنائية وتحقيق الامن المجتمعي
تعد العدالة الجنائية حسب رئيس النيابة العامة “من الأسس التي تحقق الأمن المجتمعي من خلال ملاحقة مرتكبي الأفعال الإجرامية والبحث معهم، وصولا إلى إصدار حكم يحقق الردع الخاص والعام ويمكن من جبر الأضرار التي تطال الضحايا والمجتمع. فنجاح العدالة الجنائية يمر لزاما عبر تحسيس الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، وباقي مساعدي العدالة بدورهم الإيجابي الذي ينبغي أن يضطلعوا به باعتبارهم فاعلين أساسيين فيها”، و”يعتبر البحث الجنائي من ضمن الآليات القانونية التي تؤثر في العدالة الجنائية إيجابا أو سلبا، وأحد مداخل المحاكمة الجنائية العادلة التي تعد من المبادئ السامية التي أقرتها أهم المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الانسان، وتبناها الدستور المراجع لعام 2011 وقانون المسطرة الجنائية من خلال المحاضر التي تنجز بشأنه تبعا لشكاية المتضررين من الفعل الجرمي وهو ما يلقي على عاتق المكلف بالبحث الجنائي التزامات تفرض عليه التمتع بالموضوعية والحياد، والحرص على حسن استقبال المشتكين والضحايا والتواصل معهم تكريسا لحق تيسير الولوج إلى العدالة، ومراعاة كافة الضمانات القانونية المخولة للمشتبه فيهم كإشعارهم بالجريمة المنسوبة إليهم، والحق في التزامهم الصمت، والحق في المساعدة القانونية ومؤازرة الدفاع، واحترام مدة الوضع في الحراسة النظرية وضوابط تمديدها، والتقيد بالقواعد الناظمة لتفتيش المنازل والأمكنة، والحرص على مراعاة الإجراءات الشكلية المتطلبة قانونا في البحث الجنائي لتفادي تعرضها للبطلان”.
وقال كلمة مولاي الحسن الداكي حول موضوع “العدالة الجنائية وآليات تجويدها بين متطلبات تحقيق النجاعة وتعزيز القيم والأخلاقيات المهنية”، أنه “لا شك في أن احترام الإجراءات أعلاه إلى جانب كونها التزاما قانونيا صرفا، فإن خرقها يعد مدخلا لتقديم مجموعة من الدفوع الشكلية من طرف هيئة الدفاع أمام المحكمة المعروضة عليها القضية، والتي قد تقضي ببطلان المحاضر أو الإجراء المعيب مما يضعف المحضر كوسيلة للإثبات لا سيما أمام الحجية التي تتمتع بها في الجنح، فضلا عن اعتمادها أساسا لرفع تظلمات أو شكايات أمام القضاء الوطني أو في شكل بلاغات فردية أمام المؤسسات والهيئات الدولية المعنية بحقوق الانسان مع ما قد ينجم عن ذلك من تداعيات سلبية تؤثر على صورة العدالة ببلادنا، ويقوض كل المجهودات الجبارة التي يتم بذلها في سبيل تكريس حماية الحقوق والحريات وتفعيل شروط المحاكمة العادلة وفق ما نص عليه دستور المملكة والمواثيق الدولية ذات الصلة بالموضوع”.
وأضاف “أن الرفع من جودة الأبحاث الجنائية وتحديث آليات وأساليب اشتغالها وتأهيل المكلفين بإنجازها لا يمكن أن يسهم في النهوض بالعدالة الجنائية ببلادنا ما لم يتعزز بإذكاء ثقة أفراد المجتمع فيها بما في ذلك أطراف الخصومة الجنائية، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بتحلي كافة الأجهزة المتدخلة في إنتاج العدالة الجنائية بقيم المروءة والنزاهة والأخلاق المهنية، وذلك تكريسا لمبدأ تخليق الحياة العامة الذي يعد من التوجهات الملكية السامية التي ما فتئ جلالة الملك يؤكد عليها في خطبه السامية ، ومن بينها ما ورد في نص رسالة جلالته السامية الموجهة إلى المشاركين في الندوة الوطنية حول دعم الأخلاقيات بالمرفق العام التي نُظمت بالرباط بتاريخ 29/10/1999 والتي جاء فيها :(…وإن تصاعد الاهتمام الدولي خلال السنوات الأخيرة بمشكلة الفساد الإداري ليضاعف من اجتهادنا لتحقيق ما نحن بصدده من ربط المفهوم الجديد للسلطة بمفهوم الخدمة العامة وصيانة الحقوق وحفظ المصالح واحترام الحريات والقوانين. وفي ذلكم تلبية لما يحض عليه ديننا و أخلاقنا وتنص عليه مواثيق الأمم المتحدة من ضرورة العمل على تلافي مخاطر الرشوة واللامبالاة والإهمال عمدا أو جهلا أو ما إليهما مما يحول دون توفير أسباب النماء والتقدم…).
اهمية هذا الاصلاح
كما جاء في نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالته دام عزه ونصره ، يوم الثلاثاء 30 يوليوز 2013، إلى الأمة بمناسبة الذكرى الرابعة عشر لاعتلائه عرش أسلافه الميامين (ومهما تكن أهمية هذا الإصلاح، وما عبأنا له من نصوص تنظيمية، وآليات فعالة، فسيظل “الضمير المسؤول” للفاعلين فيه، هو المحك الحقيقي لإصلاحه، بل وقوام نجاح هذا القطاع برمته). كما جاء أيضا في خطابه السامي الموجه إلى القمة 31 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي المنعقدة بنواكشوط يوم 01 يوليوز 2018 (إن مشكلة الفساد لا يمكن اختزالها فقط في بعدها المعنوي أو الأخلاقي. فالفساد ينطوي أيضاً على عبء اقتصادي، يُلقي بثقله على قدرة المواطنين الشرائية، لا سيما الأكثر فقراً منهم. فهو يمثل 10 بالمائة من كلفة الإنتاج في بعض القطاعات الاقتصادية. وعلاوة على ذلك، يساهم الفساد في الانحراف بقواعد الممارسة الديمقراطية، وفي تقويض سيادة الحق والقانون؛ كما يؤدي إلى تردي جودة العيش، وتفشي الجريمة المنظَّمة، وانعدام الأمن والإرهاب) انتهى النطق الملكي السامي”.
وأكد أنه “تفعيلاً لهذه التوجهات الملكية السامية بادر المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى وضع مدونة للأخلاقيات القضائية حددت مجموعة من قواعد السلوك التي ينبغي على القضاة إما الالتزام بها أو تفاديها في حياتهم المهنية وسلوكهم الشخصي بما يحافظ على هيبة القضاء وحرمته ويسهم في إذكاء ثقة المواطن في العدالة. وتتقاطع هذه المدونة بخصوص ما تضمنته من مبادئ أخلاقية مع مدونة قواعد السلوك التي وضعتها المديرية العامة للأمن الوطني بالنسبة لموظفي الأمن الوطني وأيضا مع ميثاق الأخلاقيات والسلوك الذي وضعته قيادة الدرك الملكي بالنسبة لمنتسبيها حيث تتقاسم هذه المدونات جلها قواعد للسلوك تنصب في مجملها على قيم أخلاقية ومهنية نبيلة من قبيل النزاهة والتجرد والشرف والحياد التي ينبغي التحلي بها خلال مباشرة المهام المذكورة كل من موقعه”.
وأنه “إذا كانت مدونات وقواعد السلوك تشكل إطاراً مرجعياً لفرض الأخلاقيات المهنية، فإن دور أجهزة الرقابة الإدارية وهيئات التفتيش في هذا المجال يبقى أساسياً ومحورياً للإسهام في فرض احترام وتفعيل هذه القواعد والانضباط لمبادئها دون أن نغفل دور الرقمنة التي أصبحت تشكل في وقتنا الراهن إحدى الآليات المعززة للشفافية والنزاهة، وهو ما يقتضي منا التفكير الجماعي لإيجاد حلول مبتكرة بغية تعزيز الربط المعلوماتي بين مختلف أجهزة العدالة الجنائية والمعنيين بها، والعمل على التسريع من وتيرة رقمنة الخدمات”.
