نعمة التازي
تشارك الفنانة التشكيلية أسماء الطاهري منتصف شهر يناير 2023 في معرض جماعي برواق “لفين فورت أرت ” بالدار البيضاء ، حيث تعرض حديث ابداعاتها الفنية التي أسبغت على الفرادة والتميز ، وأكيد أن المتلقي / الزائر ستمنحه رحلة بصرية غنية من سجلات البلاغة ومرجعيات الجمال ، وتجعله يرحل عبر مسارات وسيرورات تشكل منجزها الفني المتجدد في الزمان وفي الأمكنة الفنية .
لقي المنجز الفني للفنانة التشكيلية أسماء الطاهري اهتماما واسعا من لذن المهتمين والباحثين في الجماليات وخاصة النقاد الفنيين الذين لامسوا عن قرب جديتها واصرار ها على تطوير فنها والسير به نحو أفاق رحبة وواسعة ببصمة متميزة ومتفردة أيضا . والفنانة أسماء ـ تعيش وتشتغل بمدينة الدار البيضاء ـ ما تنجزه هو في الحقيقة متواليات من الوحدات السردية ذات الحمولات التعبيرية المتعددة . انه نوع من الاستكشاف والاستبطان يعيد صياغة المرئيات الواقعية والمتخيلة بحس جمالي ، وبلمسات دقيقة . كل العوالم الأليفة التي تؤثثها الفنانة أسماء ، عبارة عن سفر باطني زاده الخيال الذي يضفي على عالم اللوحة بعدا وجوديا ، مظهرا وصورة.
عن منجز هذه الفنانة العصامية يقول أحد الباحثين الجماليين :” لوحاتها عالم مركب تتجاور فيه التداعيات وتتماهى ، حيث تعكس صورنا الملتبسة ، وهواجسنا الداخلية . أتخيلها ترسم مباشرة من الذاكرة ، انطلاقا من الأوراق التمهيدية . انها تبدع على صورة المنشدة ، والحاكية ، والمتذكرة ، والمرتجلة . تبدع صمت الروح الذي هددته نزعات الحروب والصراعات الواهية . اللوحة عند أسماء ، لقاء مع الذات الفردية والجماعية معا . اللوحة طاقة متجددة ، طاقة مندمجة في كيمياء الأشياء والكائنات ذات الألوان الزاهية والمرحة . يحضرجسد الأنثى في ابداعات الفنانة أسماء الطاهري في صورة شذرات ووحدات متنوعة ومتعددة،إنها مؤشرات إيحائية على رغبة المرأة في التعبير وتأكيد الوجود دون قيد أو شرط، انها قرائن مجازية تضفي على عوالم اللوحات طابعا غرائبيا بامتياز، فجسد المرأة في أعمالها لا ينحصر كجغرافيا ايروسية تثير عنصري اللذة والغواية،بل تراه يتشكل كمعنى إيحائي لقيمة الجمال في أبهى اشراقاتها وتجلياتها،حيث تصبح قرينة الجمال مرادفا لقرينة المقدس،كما تصبح المرأة مرآتنا المشتركة، والفنانة اسماء تقدم لنا من الناحية البصرية كتابا شذريا عبر جغرافية جسد المرأة بوصفه مرآة الملكات الانفعالية والقيم الوجدانية، وكذا باعتباره الصلة الحية بين الأزمنة المتعاقبة .
في لوحات الفنانة أسماء يحضر أيضا جسد المرأة كلغة أنيقة وكرمز للوجود والروح،فهذا الجسد التشكيلي الجينيالوجي يتناسل بشكل سلس وانسيابي، متخذا عدة علامات كبرى وصغرى في الآن ذاته،تحيل بصيغة مجازية على كيانه المزدوج: سلالة الأمومة الرمزية كاستعارة دالة على الحياة بمفهومها الوجودي الشامل. إنه نشيد الأنوثة الخلاقة التي تذكرنا بمقولة “المكان الذي لا يؤنث، لا يعول عليه”. فبتاء التأنيث، يغدو مكانا و مكانة . الجسد في أعمال الفنانة أسماء لا يحظر بوصفه شكلا ايقونيا بديعا، بل بوصفه نفحة إلهية وصنعة بارعة،هذه الخصوصية التي تتميز بها، تسعى من خلالها ومعها الى جعل المتلقي / المرأة تلامس اللوحة وتنخرط في قراءتها من زاويتها الخاصة والقريبة منها، بل أنها تجسد عمق نفسيتها وجزء من شخصيتها في انكساراتها وألمها ومعاناتها، أوفي أفراحها ومسراتها وكرامتها، وفي نظرتها الى واقعها بكل تجلياته، اذن، هذا هو هاجس الفنانة أسماء، التي تشتغل عليه في محرابها التشكيلي الهادف الى صياغة رؤية متعددة الأبعاد الجمالية والفنية وأيضا الانسانية والروحية والوجدانية، هي فنانة باحثة وحاملة لأسئلة مقلقة داخلية مشتركة مع ذات الأنا والأخر … أسماء مسكونة بأشياء خفية، فهي توفق بين العالم التعبيري التشخيصي والعالم التعبيري التجريدي، كما تحرص على فهم قواعد الكون، وأسرار الحياة، محاولة التعبير عن تأملاتها عبرتحليق ملائكي في الفضاء والزمن، بعيدا عن التقليعات الشكلية، انها ترسم بحمولات وخلفيات ذاتية في عينها وقلبها ترسم تساكنا بين بعدها الروحي الكامن في دواخلنا، والبعد الروحي للفن الصباغي بالألوان والمواد المشبعة حد الانتشاء،ألوان ومواد للتأمل المشرع على الأمل والنور.
في الأخير يحق لنا أن ننعت لوحات الفنانة التشكيلية أسماء الطاهري بالدهشة الصامتة التي تخترق الفضاء المساحي للوحة فيشكل تنويعات لونية ومشهدية بليغة . ان أعمال هذه الفنانة المتميزة تحتوي على مياه فنية عذبة ولذيذة تستحق أكثر من قراءة وأكثر من احتفاء.
