20, يناير 2026

المغرب: عندما تتبدل العواطف بعقلانية مصلحة الوطن

عبد العزيز الخطابي

في عالم تعصف به المواقف السياسية والدبلوماسية، يبدو أن المغرب اليوم يحتاج إلى استراحة من العواطف الجياشة، كي يتمكن من استعادة رشد العقل، وأخذ موقف يتسم بالعقلانية في علاقاته الدولية. لقد آن الأوان لأن ندرك أن الصداقة مع إسرائيل ليست مجرد بطاقة دعوة لحفل زفاف على أنقاض العلاقات التاريخية، بل هي استراتيجية تتطلب تفكيرًا عميقًا وحسابات دقيقة. لنكن صرحاء: هل من الحكمة أن نُبقيُ الأبواب موصدة أمام شريك يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على مصالحنا الوطنية، في حين نسمح للمشاعر بالتحكم في سياساتنا؟

دعونا نعود قليلاً إلى الوراء ونستعرض تجاربَنا السابقة. فقد عانت المملكة من عدة مواقف طُعنت فيها من طرف جيرانها، الذين لم يترددوا في إشاعة الآمال في فشلنا في المحافل الرياضية، بينما كانت إسرائيل تقف في الجهة الأخرى، مشجعةً للمنتخب المغربي في أرض الملعب، رغم كل الشكوك التي تحوم حول ولدها. بينما يتمنى البعض لنا الخسارة و الهزيمة، نكتشف أن من يساندنا بالفعل ليس من يحمل شارة “العروبة” ولا الخطابات الرنانة، بل الطرف الذي ينظر إلى الأمور بتركيز ووضوح بعيدًا عن العواطف.

لنكن واقعيين: كرة القدم ليست بإمكانها أن تحل مشاكلنا المزمنة. هي مجرد لعبة، لكننا – كما يبدو – نسير في مسار كارثي حيث اختزلت الأمة آمالها وأحلامها في تحقيق انتصارات رياضية. المفكر المغربي المهدي المنجرة، الذي كان مدربًا لمجموعة من العقول، دعا إلى الخروج من دوامة الالتباس، حيث قال إن الفوز على خصمك في كرة القدم لا يعني شيئًا إذا كنا جميعًا متساوين في التخلف والجهل. آذاننا مغلقة عن سماع الحقيقة المرة، بينما نحن نغرق في بحر من العواطف المتناقضة.

وفي إطار هذه اللعبة، تأتي اللحظات السياسية لتلطخ صفحاتنا. كرّس تحالف المغرب مع مصر وموريتانيا مجهوداتٍ لتنظيم كأس إفريقيا، وهو ما لم يُرضِ البعض، إذ تحوّلت البطولة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، بينما انشغلنا بمشاكلنا الداخلية وغيرها. التنافس على رئاسة الاتحاد الأفريقي جاء في زمن سيء حيث وقعنا في فخ الشائعات والمناوشات؛ ولعل البيان المقتضب الذي صدر مستنكرًا غياب الأمن يشير إلى القيام باللازم.

أما عن النتائج، فكما يحدث غالبًا، وقعنا في مصيدة الارتجالية؛ فالمدرب، الذي يُفترض أن يكون قائدًا، وقع ضحية التوترات، فاهتدى إلى تصريحاته المسيئة التي لم تشف الغليل، بل على العكس، جعلتنا نشعر بالخجل.

إذا كانت كرة القدم مجرد وسيلة لتصفية الحسابات بين الفرق، فمن يأخذ بيدنا نحو مستقبل أفضل؟ يبدو أن الحل لن يكون سهلًا وأننا بحاجة للعودة إلى أساسيات الأمور. يجب أن نتبنى الواقعية وأن نغادر دوامة الدعاية وبهرجة التخطيط على الورق.

ختامًا، يجب أن نعي أن المغرب اليوم، مثل سائر الدول، بحاجة إلى التفكير بوضوح. العواطف لا تبني دول الأمور، بل العقلانية والمصلحة الوطنية. فلنفتح قلوبنا قبل عقولنا، ولنحيط أنفسنا بالأصدقاء الحقيقيين، ونغادر مرحلة الحسابات العاطفية. المستقبل، أيها السادة، يحتاج إلى عقل صافٍ، واستراتيجيات مدروسة، بعيدًا عن ترديد بيانات زائفة وشعارات فارغة. قد حان الوقت للتركيز على ما هو جوهري، وليس على ما هو عابر.

 

اترك تعليقاً

Exit mobile version