22, يناير 2026

غياب سعيد عاهد: كغيمة بطريقة الشمس، بلا ظل

 

في خضم عالم سريع التغير، حيث يبدو أن الأصوات تتناغم في صخب من الضوضاء والارتباك، جاء رحيل سعيد عاهد مساء السبت، 10 يناير 2026، ليكون بمثابة صدمة للساحة الفكرية والإعلامية في المغرب. لم يكن عاهد مجرد كاتب أو صحفي، بل كان أيقونة في زمنٍ يتوق للحرية ويبحث عن الحقيقة. كان يمشي بين الكلمات كما يمشي البدر في سماء مظلمة، ليكتب ويحلل بأسلوب يجمع بين العمق والبعد الإنساني.

 

سعيد عاهد ليس مجرد اسم يُذكر بين أسماء أخرى في عالم الأدب والصحافة، بل هو تجسيد لعهد من الالتزام والإنسانية. كان يملك قدرة نادرة على سبر أغوار النصوص الأدبية وتحليلها، ليعيد صياغة أفكار معقدة بطريقة سهلة الفهم، قادرة على أن تصل إلى قلوب القراء وعقولهم. عُرف بشغفه العميق حيث كانقد استطاع بمهاراته أن يخترق الجدران التي تفصل بين عقل الكاتب وذهنية القارئ.

 

لقد قضى سنوات طويلة في خدمة الكلمة، ليس فقط كصحفي في جريدة الاتحاد الاشتراكي، بل ككائن مبدع ينقل الكلمات من حالة جامدة إلى أخرى حية، تنبض بالحياة. كان سعيد يؤمن بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة إنسانية، وأن على الكاتب أن يكون صوتًا للمهمشين والمظلومين. كان يعي تمامًا حجم المسؤولية المُلقاة على عاتقه، ويعلم أن كل كلمة ينشرها تحمل تأثيرًا قد يغير مسار حياة شخص ما أو يُسهم في دحض شعور الإحباط واليأس.

 

سعيد عاهد كان يمتلك روح النقاش والجدل، حيث انخرط في حوارات شغوفة مع زملائه، متبادلًا الأفكار وكاشفًا النقاب عن الأسئلة التي تثير فضول المجتمع. لم يكن يتجنب المواضيع الشائكة، بل كان يتقرب منها واقفًا في وجه التحديات، مؤمنًا بأن الحوار الحر هو السبيل للتقدم. كانت لديه القدرة على خلق بيئة تفاعلية، تُشجع على الاستماع والتبادل الفكري، مما جعله شخصية محبوبة ومقدّرة.

 

لكن غياب سعيد عاهد يترك وراءه فراغًا حادًا في الساحة الثقافية. نحن نتحدث عن رجل لم يكن يخشى إبداء رأيه، بل كان يصدح به في زمنٍ تلاشت فيه الأصوات لصالح جوقة النمطية. إن فلسفته في الكتابة كانت تتجاوز مجرد نقل الأحداث أو تحليلها؛ بل كانت تسعى لتعزيز الإبداع وفتح آفاق جديدة من التفكير. في زمن الافتقار للجودة والعمق، كان هو السراج الذي ينير الطريق.

 

ولا خير في جيل إعلامي لا يعرف سعيد عاهد، فهو ليس مجرد اسم يُذكر في قائمة الكتّاب وإنما كان رمزًا للالتزام الحقيقي بالمبادئ والقيم. في لحظات رحليه، جعلنا نفكر في ماهية الإعلام والفن ودورهما في تشكيل الوعي المجتمعي. أسئلة عديدة تتدافع في الأذهان، ما هو تأثير غيابه علينا؟ كيف سنواصل مواجهة التحديات التي تحملها قضايا الوطن دون صوت قوي وأفكار مُحرضة مثل أفكاره؟ تلك الأسئلة تجعلنا ندرك قيمة العطاء والإبداع الذي كان يقدمه.

 

يظل إرث سعيد عاهد محط دراسة وإلهام للجميع. إن كتاباته ومقولاته ليست مجرد نصوص، بل هي شذرات من الحكمة، بوصلة لفهم الواقع وإلهام الأجيال القادمة. غادر عانا، لكن أعماله ستظل خالدة، كدليل على مقاومة الكلمات للنسيان. أولئك الذين سيسعون وراء المعرفة والثقافة سيجدون في إرثه ثروة لا تُقدر بثمن.

 

وفي الوقت الذي نودع فيه سعيد عاهد، نُشعر بأننا ندرك أننا لا نحتاج فقط إلى استذكار إنجازاته، بل نحتاج إلى استمرار رسالته في عالم مليء بالتحديات. إن الفلسفة التي حملها في كلماته يجب أن تكون نبراسًا يُضيء دروبنا، لنُعيد الكلمة إلى مكانتها، ولكي نستمر في البحث عن المعنى في ما نقوم بكتابته أو قراءته.

 

لقد كانت كلمات سعيد عاهد تجسدًا لإبداع فن الكتابة كعنصر فعال في التغيير، مثالًا حيًا عن الاقتراب من القضايا الإنسانية بمسؤولية وبصيرة. سيبقى سعيد عاهد في وجداننا، كأحد أعظم الكتّاب الذين ساهموا في تشكيل الفضاء الثقافي، تاركًا وراءه إرثًا عميقًا يشهد على موهبته والتزامه. إن ذكراه ستظل حية في كل حرف يُكتب، وفي كل فكرة تُناقش، وفي كل إنسان يُؤمن بأن للكلمة قيمة لا تقدر بثمن.

 

عبد العزيز الخطابي

اترك تعليقاً

Exit mobile version